غزة/ البوابة 24- أحلام عبد القادر:
"بإمكانك انقاذ حياة"، كان هذا الشعار جاذبًا للشاب العشريني محمد الشيخ للانخراط في تدريبات متقدمة في الإسعافات الأولية ومهارات التدخل الصحيح والتعامل مع جرحى الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
ولمس الشيخ (22 عامًا) قيمة هذه التدريبات، عندما وجد نفسه على مقربة من استهداف إسرائيلي لخيمةٍ في ساحة مدرسة غزة الجديدة، التي ينزح بها مع أسرته في مدينة غزة.
يقول لـ"البوابة 24": "كنت على بعد أمتارٍ قليلة من الغارة الجوية التي استهدفت خيمة من بين خيام كثيرة متلاصقة في ساحة المدرسة، ونتج عنها انفجار هائل وحريق، وارتقى شهيدان وجُرِح 7 آخرون".
اندفع الشيخ نحو هذه الخيمة المستهدفة، وكانت تجربته الأولى في تقديم إسعافات أولية لجريح منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع عقب السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام 2023م.
إنقاذ حياة
وجد الشيخ جريحًا ينزف بشدة، وآنذاك "استحضرتُ ما تعلمتُه. ضغطتُ بشكلٍ مباشرٍ على مكان النزيف باستخدام قطعة قماش نظيفة، ولم أسمح لأحد بتحريك الجريح من مكانه، خشية أن يكون مصابًا بكسور أو أن يؤدي نقله الخاطئ إلى تفاقم إصابته، ومكثت إلى جانبه حتى حضرت سيارة الإسعاف".
بعد هذه التجربة شعر الشيخ بقيمة ما تعلمه، وأهمية تعميم التوعية الطبية بالإسعافات الأولية وآليات التدخل الصحيح مع ضحايا الحرب من جرحى وحتى مرضى في الخيام ومراكز الإيواء.
يدرس الشيخ هندسة الحاسوب في جامعة الأزهر بمدينة غزة، وهو واحد من بين نحو 100 شابٍ وفتاة، تلقوا تدريباتٍ متقدمة ضمن مشروع (Hope In Hands)، ويعني بالعربية "الأمل في الأيدي"، وهو مبادرة طوعية مجانية لزملائه من طلبة كلية الطب البشري في هذه الجامعة، التي تعرضت للتدمير أسوةً بغالبية الجامعات والمعاهد في القطاع.
ويضم هذا المشروع 16 متطوعًا، بينهم 9 طلاب و7 طالبات من مستويات مختلفة في كلية الطب، اجتمعوا على فكرة "توعية المجتمع طبيًا". عن فكرة المشروع يقول ياسر أبو مريم: "كانت وليدة المجازر اليومية التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الشوارع والمدارس وخيام النازحين ومراكز الإيواء، وشكلت ضغطًا هائلًا على المنظومة الصحية الفلسطينية".
وكانت "مجزرة التايلندي"، التي ارتكَبَتها قوات الاحتلال قبل بضعة أسابيع، وأودت بحياة عددٍ كبيرٍ من الشهداء، وأوقعت عشرات الجرحى، في منطقة تسوق مكتظة في شارع الوحدة بمدينة غزة، دافعًا لهؤلاء الطلبة المتطوعين، الذين صودف تواجد بعضهم على مقربةٍ من مكان المجزرة، وكان لافتًا بالنسبة لهم كطلبة طب عدم قدرة الموجودين على التعامل مع الجرحى.
أبو مريم (21 عامًا)، طالب بالسنة الثالثة في كلية الطب، ويخبرنا: "كثيرون يتعاملون مع الجرحى باندفاع لا يستند إلى معرفة طبية، ورغم نواياهم الصادقة والطيبة، إلا أن تدخلهم الخاطئ قد يضر ولا يفيد، وربما يؤدي إلى فقدان الجريح لحياته".
الأمل في الأيدي
يهتم أبو مريم بالإسعافات الأولية منذ صغره، وقد حرص مع بداية التحاقه بكلية الطب على تطوير مهاراته، إذ يحمل شهادات تدريب في الإسعافات الأولية، حصل عليها من طبيب نرويجي متطوع زار غزة ضمن وفد أجنبي قبل اندلاع الحرب، ومن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وله تجارب سابقة في المشاركة بمبادرات خيرية لتدريب طلبة المدارس، ورواد المساجد، وفي مؤسسات مجتمعية بمدينة غزة.
وعقب اندلاع الحرب، اضطر أبو مريم للنزوح مع أسرته نحو 10 مرات في مدينة غزة ونحو مناطق جنوبي القطاع، وتطوع في "نقطة طبية" داخل مدرسة كانوا يقيمون بها في منطقة "قيزان النجار" بمدينة خان يونس، وعندما أجبروا على النزوح نحو مدينة رفح المجاورة تطوع في "نقطة طبية" داخل مخيم النزوح.
وخلال تطوعه، اكتسب أبو مريم خبرات يقول إنه ما كان ليكتسبها في هذه المرحلة من عمره دون تعامله المباشر مع جرحى الحرب، علاوة على حالات مرضية وبعضها خطيرة، ناجمة عن تداعيات الحرب والحصار وسوء التغذية وقلة الدواء.
وعندما عاد إلى الشمال عقب اتفاق وقف إطلاق النار في 19 يناير/كانون الثاني الماضي، اجتمع شمل أبو مريم مع عدد من زملائه من طلبة كلية الطب، وكان من النواة الأولى التي أسسست مشروع "الأمل في الأيدي"، لإيمانه بأهمية نشر وتعزيز الوعي الطبي المجتمعي، ومهارات الإسعافات الأولية، ودورها في تعزيز أداء المنظومة الصحية، وتصحيح التصرفات الخاطئة الشائعة في التعامل مع مختلف الإصابات ميدانيا.
ويقول أبو مريم إن الاستهداف اللحظي على مدار الساعة وفي كل مكان من جانب قوات الاحتلال خلال هذه الحرب غير المسبوقة، يستدعي تعليم قطاعات واسعة بهذه المهارات، التي قد تكون كفيلة بإنقاذ حياة جرحى أو مرضى في حال التدخل السليم وفي الوقت المناسب.
مسؤولية إنسانية
وتقول عضو مبادرة "الأمل في الأيدي" الطالبة المتطوعة ليان العكلوك (20 عامًا): إن "شعبنا عظيم ويعاني الويلات جراء هذه الحرب ويستحق من كل منا أن يخدمه في مجال تخصصه".
والعكلوك زميلة أبو مريم في السنة الثالثة بكلية الطب، وقد اختارت التطوع في هذه المبادرة انطلاقًا من إيمانها بأن "الطب مسؤولية إنسانية"، وفقا لحديثها مع "البوابة 24".
وتدرك "طبيبة المستقبل" الضغوط الهائلة على الكوادر الطبية جراء الاستهداف الممنهج من قبل قوات الاحتلال للمنظومة الصحية، الذي أدى إلى استشهاد أكثر من 1400 من الأطباء والممرضين والعاملين في القطاع الصحي، واعتقال وجرح عشرات آخرين، وخروج غالبية المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة.
وتشرح أن هدفها وزملاؤها في المشروع هو نشر التوعية الطبية المجتعمية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، من أجل تخفيف الضغط عن كاهل الكوادر الطبية في المستشفيات والمرافق الصحية القليلة التي لا تزال تعمل بإمكانيات ضعيفة.
وخلال مشاركتها في الفعاليات التدريبية، لمست العكلوك اهتمامًا واسعًا من المتدربين على تعلم مهارات الإسعافات الأولية، والإسعاف النفسي الأولي، إدراكًا منهم بأن المعرفة قد تنقذ حياة جريح أو مريض إذا تم التعامل معه بالطريقة الصحيحة.
ويتشاطر الذكور والإناث هذا الاهتمام، وبحسب العكلوك فإن 50% من المتدربين/ات الذين انخرطوا في التدريبات كانوا من الفتيات، وبينهن نازحات في الخيام ومراكز الإيواء، وتقول: "لدينا خطة لمواصلة العمل على نشر التوعية على نطاقات أوسع لمواكبة الأعداد الهائلة من الجرحى، والمرضى الذين تدهورت حالاتهم الصحية بسبب قلة العلاج والأدوية".
نصائح ومحاذير:
وتقدم العكلوك النصائح التالية للتدخل السليم مع الجرحى والمرضى في أوقات الطوارئ:
● لا تعرض نفسك للخطر حين محاولتك إنقاذ المصابين، تأكد من سلامة المكان أولًا ثم باشر بإسعافهم، تأكد من طلب خدمة الإسعاف والطوارئ (101) قبل أي خطوة.
● في حال مصادفتك لمصاب فاقد الوعي، عليك التأكد أولاً من تنفسه، إذا لم يكن هناك صوت للتنفس أو حركة للصدر، ابدأ فوراً بالإنعاش القلبي الرئوي (30 ضغطة صدرية مقابل نَفَسين صناعيين).
● إذا كان المصاب طفلاً فاقد الوعي ولا يتنفس، ابدأ بالتنفس الاصطناعي، ثم الإنعاش القلبي الرئوي (15 ضغطة مقابل نَفَسين صناعيين).
● في حالات الإصابات المعقدة، حاول السيطرة على النزيف في المقام الأول. أحضر شاشاً أو قماشاً نظيفاً واضغط بقوة لإيقاف تدفّق الدم. إذا لم يتوقف، اربط عاصبًا فوق الجرح وحاول رفعه فوق مستوى القلب.
● في حال تعاملك مع حالة بتر طرف، احتفظ بالجزء المبتور داخل كيس مربوط جيداً، ثم ضعه في كيس آخر يحتوي على ثلج أو ماء بارد، وقم بتسليمه للمشفى.
● إذا كان المصاب يعاني من كسور ( خاصة كسور الرقبة أو الظهر )، لا تقم بتحريكه أبداً، وانتظر وصول سيارة الإسعاف. أما في حال كسور الأطراف فحاول تثبيت العظمة المكسورة بأي جسم صلب كصفائح أو ألواح خشبية لتقليل إمكانية تحركها.
● في حالات الحروق لا تقم بوضع أي من الآتي على مكان الحرق: ( دقيق، زبدة، معجون أسنان، ثلج…)، فقط استخدم المياه الجارية لمدة عشر دقائق، ثم غطي مكان الحرق بشاش أو قماش نظيف.
● في حالات الاختناق، اضرب 5 ضربات على ظهر المريض بين لوحي كتفيه، ثم اعصب يديك حول أعلى معدته وادفع للأعلى وللداخل 5 مرات. داوم على هذه الخطوات حتى خروج الجسم الغريب. وإذا حدث إغماء ابدأ بالإنعاش القلبي الرئوي.