د. سامي الكيلاني
رائحة الورود الزكية
أعود أحياناً إلى قصيدة لمحمود درويش أو لتوفيق زيّاد، أو بابلو نيرودا حين يحاصر الهمّ الأسود الروح، وأعود أحياناً إلى خطاب مارتن لوثر كنغ "لديّ حلم" حين أرى روح الكراهية السوداء تخيّم على المشهد. قرأت قصة أطفال (للأعمار 5-8 سنوات) مع رسوم بالأبيض والأسود عنوانها "رائحة الورود الزكية"، وترجمتها، أعجبتني ببساطتها وقوتها في نقل الرسالة من خلال قدرة رائحة الورود الزكية في مواجهة روح الكراهية وإيقاد شعلة الأمل، فرغبت في تعميمها، على أمل أن تعجبكم.
رائحة ورود زكية تأليف: أنجيلا جونسون رسوم: إريك فيلاسكيز ترجمة: سامي الكيلاني (للأعمار 5 – 8 سنوات) هناك رائحة زكية في الهواء بينما تتسلل فتاتان صغيرتان من منزلهما، نزولاً مع الشارع، وعبر المدينة إلى حيث يتجمع الرجال والنساء، مستعدين للمشاركة في مسيرة من أجل الحرية والعدالة. ملهَمَيْن من عدد لا يحصى من الشباب الذين اتخذوا موقفاً ضد قوى الظلم، يقدم اثنان من المكرمين بجائزة كوريتا سكوت كينج، أنجيلا جونسون وإريك فيلاسكيز، لمحة مؤثرة ومبهجة عن مشاركة الشباب التي لعبت دوراً عالي التقدير في حركة الحقوق المدنية.
بعد ليلة من المطر الخفيف كانت هناك رائحة زكية للورود حينما تسللنا أنا وأختي ميني تجاوزنا باب غرفة ماما لنخرج من المنزل نزلنا مع شارع شارلوت مررنا ببائع الحليب المبكّر صباحاً، وعبرنا الجسر الحجري، مروراً بسوق الرصيف إلى حيث ينتظر الجميع المسيرة. كنا أنا وميني قصيرتين نصل فقط حتى خصر أغلب المشاركين وقفنا أنا وميني نمسك بعض يداً بيد في انتظار بدء المسيرة كانت هناك رائحة ورود زكية بينما كان الجميع في انتظار خطاب الدكتور كنغ .
وكانت هناك ألوان زاهية ضوء ساطع ناتج من أشعة الشمس الساقطة على الورود بجانب الطريق بينما كنا نستمع للدكتور كنغ من خلال مكبر الصوت يقول: "نحن على حق مسيرتنا هذه من أجل المساواة والحرية" ثم بدأنا المسيرة، ميني وأنا. ننظر للأمام ونمشي بسرعة مثله. ندقّ الأرض بأقدامنا معاً. ننظر للأمام، تماماً مثله. كانت هناك رائحة ورود زكية حتى عندما كنا نسير بالقرب من أناس يصرخون، يصيحون، ويقولون، "أنتم لستم على حق. لن تكون المساواة لكم." تتوجه أنظارنا على الطريق إلى الأمام ونستمر نمسك بيدينا، ونشعر بأننا جزء من كل ما يجري. نسير في طريقنا نحو الحرية. تنتشر رائحة ورود زكية كلما التحق ناس أكثر بالمسيرة معنا، يتدفقون من الشوارع الجانبية، يصفقون ويغنون "الحرية الآن، الآن" "الحرية!" "الحرية!" ثم حملني أحدهم عالياً ووضعني على كتفيه، وكذلك ميني، فأصبحنا أعلى من الجميع، واستمرت المسيرة. هناك رائحة ورود زكية عندما تجمّعنا في مركز المدينة. الجميع هنا.
نستمع للدكتور كنغ بينما ترتفع الشمس في السماء أعلى وأعلى... يتحدث عن السلام، الحب، اللاعنف، والتغيير من أجل الجميع. وترتفع الشمس أكثر في السماء. وعندما حان وقت العودة، رجعنا يداً بيد. أنا وميني، نغني أغاني الحرية طول الطريق. مروراً بدكان الرصيف، وفوق الجسر الحجري، وتجاوزنا ساعي البريد إلى بيتنا في شارع شارلوت. ها هي أمّنا، يبدو القلق على وجهها، في انتظارنا. تبتسم بعد برهة، تحضننا، وتمسك أيادينا. وبينما كنا نحدثها عن المسيرة، انفتحت الستائر المسدلة، وانتشرت في أرجاء المنزل رائحة ورود زكية.
عن الكتاب عندما نتعرف على حركة الحقوق المدنية التي اجتاحت المشهد الأمريكي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تظهر أسماء معينة دائماً. ثورغود مارشال. روزا باركس. رالف أبيرناثي. فاني لو هامر. مدغار إيفرز. مالكولم إكس. روبرت كينيدي. وبالطبع، الدكتور مارتن لوثر كينغ. هذه كلها أسماء مهمة. كل منها ينتمي إلى رجل أو امرأة ضحى/ت بالكثير - وأحياناً بكل شيء - في السعي من أجل الحرية والعدالة. لكن الرجال والنساء الذين نسمع عنهم عادةً ليسوا الوحيدين الذين تحركوا ضد الظلم والقمع.
مقابل كل اسم من الأسماء التي نعرفها، هناك عشرات الآلاف التي لا نعرفها. وبعض هذه الأسماء التي تم تجاهلها تنتمي إلى أطفال. "رائحة الورود الزكية" هي تكريم لهم. الأولاد والبنات الشجعان الذين - مثل نظرائهم البالغين - لم يتمكنوا من مقاومة رائحة الحرية التي تحملها رياح التغيير. من الفنان الرجلان اللذان ألهماني عملي في هذا الكتاب، هارفي دينرشتاين وبيرتون سيلفرمان، ليسا غريبين على مجتمع الفنون الجميلة. يمكن العثور على أعمال دينرشتاين في مجموعات متحف سميثسونيان، ومتحف متروبوليتان للفنون، ومتحف ويتني للفن الأمريكي.
وقد زينت لوحات سيلفرمان أغلفة مجلات تايم ونيوزويك ونيويورك، بالإضافة إلى مجموعات متحف بروكلين، ومتحف فيلادلفيا للفنون، والمتحف الوطني للفن الأمريكي. لكنني تعرفت على هارفي دينرشتاين وبيرت سيلفرمان لأول مرة في المدرسة الثانوية عندما أحضر لي معلم الرسوم التوضيحية كتابين نُشرا حديثاً آنذاك: هارفي دينرشتاين: فنان في العمل، وبيرت سيلفرمان، رسم الناس. روى كلا الكتابين كيف ذهب هذان الرجلان إلى ألاباما عام 1956 خلال مقاطعة حافلات مونتغمري، ووثقا الأحداث في سلسلة من الرسومات التي نُشرت في العديد من المجلات والصحف لاحقاً.
في الكلية، كنت محظوظاً جداً للدراسة مع دينرشتاين في رابطة طلاب الفنون، وأتيحت لي الفرصة لزيارة استوديو بيرت سيلفرمان في عدة مناسبات (حتى أنني وقفت أمامه ذات مرة عندما لم يظهر "موديل الرسم" الذي كان مقرراً). الآن وقد كبرت وأصبح لديّ فهم أفضل لحركة الحقوق المدنية، أصبحت قادراً على تقدير العمل الذي قام به هذان الرجلان. أردتُ في رائحة الورود الزكية التقاط الروح البسيطة والقوية لعملهما كطريقة لتكريم فنانين يساعدان في نشر أخبار كفاح مجتمع مضطهد من أجل العدالة والمساواة.