في سابقة تحدث لأول مرة، أقرت وسائل إعلام إسرائيلية بعدم صحة الادعاء القديم بأن بني إسرائيل، الذين عاشوا في مصر قبل عهد النبي موسى وفي زمنه، هم من قاموا ببناء أهرامات الجيزة، وهو الزعم الذي لطالما رُدد في الأوساط الإسرائيلية.
نقوش خفية واكتشافات مذهلة
ووفقًا لما ذكره موقع "واللا" الإخباري الإسرائيلي، فإن اكتشافات أثرية حديثة داخل الهرم الأكبر بالجيزة، تقودها بعثة مصرية بقيادة عالم الآثار الشهير الدكتور زاهي حواس، كشفت عن نقوش غير مرئية ومقابر للعمال وسجلات تعود لعمال مهرة.
كما تعتمد البعثة في عمليات البحث على روبوت متطور يجري إدخاله إلى أعماق الهرم لاكتشاف ما خفي فيه من أسرار.
خرافة "العبيد الإسرائيليين"
وأشار "الموقع العبري"، إلى أن الإسرائيليين، منذ طفولتهم، اعتادوا على سماع روايات تزعم أن الأهرامات شيدت على يد آلاف العبيد الإسرائيليين، الذين كابدوا المعاناة تحت حكم الفرعون على مدار عشرين عاماً، لكن الحقائق الجديدة لا تدحض هذه الرواية فحسب، بل تكشف عن جوانب من التاريخ لم تكن معروفة، من بينها أقدم كتابات "الغرافيتي" في العالم، كتبتها فرق بناء مصرية.
وبحسب "الموقع"، فإن هذه النقوش تؤكد أن لا صلة لبني إسرائيل ببناء الأهرامات، رغم ما ورد في "الهاجاداه" – كتاب التفسير الديني اليهودي – الذي يصور مصرياً يجلد عبيداً إسرائيليين أمام مشهد للأهرامات.
خطأ تاريخي شائع
وفي السياق ذاته، أرجع "الموقع"، هذا التصور الخاطئ إلى المؤرخ اليهودي يوسيفوس، الذي ذكر في مؤلفه "آثار اليهود" أن الأهرامات شُيدت بأيدي عبيد من بني إسرائيل. لكن هذا الادعاء ثبت بطلانه، حيث إن بناء الأهرامات سبق الفترة التي قيل إن بني إسرائيل عاشوا فيها في مصر بقرون طويلة.
يرجع تاريخ الأهرامات، حسب "الموقع"، إلى ما قبل أكثر من ألف عام من فترة الاستعباد المذكورة في النصوص اليهودية، فيما تشير الدراسات إلى أن دخول اليهود إلى مصر ربما جرى خلال الأسرة الفرعونية الثامنة عشرة، أي في زمن كانت فيه الأهرامات قائمة بالفعل منذ زمن بعيد.
أدلة أثرية دامغة
والجدير بالإشارة أنه في تجاويف معمارية ضيقة تقع أعلى "حجرة الملك" داخل الهرم الأكبر، تم اكتشاف نقوش قديمة تعود إلى 4500 عام، في زمن حكم الفرعون خوفو، وتحمل هذه النقوش أسماء فرق العمل التي شاركت في البناء، وتتضمن "خراطيش" ملكية، ما يدل على أنها فرق مصرية متخصصة، وليست فرقاً من العبيد.
وبحسب ما ذكره الباحثين، فإن العمل كان يجري بنظام ورديات: تسعة أيام عمل يعقبها يوم راحة. كما تم العثور على مقابر لهؤلاء العمال بجنوب الهرم، تحتوي على تماثيل تظهرهم أثناء نقلهم للأحجار، علاوة على أدوات حجرية ومخازن ونقوش هيروغليفية تحمل ألقاباً مثل "مراقب جانب الهرم" و"الحرفي".
البناة دفنوا في ظلال الفرعون
ومن جهته، أكد الدكتور زاهي حواس، في حديث بودكاست جديد، أن هذه الاكتشافات تؤكد أن البناة لم يكونوا عبيداً، وإلا لما كانوا دفنوا في مقابر خصصت للخلود، بالقرب من ملوك وملكات مصر، مضيفًا أن بعض الكتابات داخل الهرم نشرت منذ القرن التاسع عشر، إلا أن اكتشاف نقوش جديدة تعزز مصداقية تلك السابقة، وتنفي احتمالية التزوير.
جرافيتي أصيل وأساطير تنهار
كما أشار "حواس"، إلى أن هذه الكتابات جرى تنفيذها بأسلوب لغوي لا يمكن فهمه سوى من قبل متخصصي اللغة المصرية القديمة، ويستحيل عملياً تزويره بسبب صعوبة الوصول إلى أماكن النقش.
وأوضح "حواس"، أن هذه النقوش لا تفند فقط أسطورة "العبيد"، بل تُسقط أيضًا أسطورة أخرى تتعلق بغذاء العمال.
فقد سادت مزاعم بأن البناة كانوا يعيشون على البصل والثوم والخبز، لكن الاكتشافات أظهرت وجود آلاف العظام الحيوانية في الموقع، ما دل على أن العمال تناولوا وجبات غنية تضمنت ذبح 11 بقرة و33 ماعزًا يومياً، وهو طعام يكفي لإطعام قرابة 10 آلاف شخص.
مدينة العمال وتقنيات البناء
كما كشفت عمليات التنقيب كذلك عن "مدينة العمال" بالجيزة، وهي مجمع ضخم يضم مخبزاً ومستودعات ومرافق سكنية، وكذلك تم العثور على محجر للحجر الجيري على بعد 300 متر من الهرم، وكان يستخدم لاستخراج الأحجار التي تسحب على منحدر من الرمل والطين والحجارة.
وقد تم العثور على بقايا هذا المنحدر في موقع يُدعى C2 جنوب غرب الهرم.
ما الذي يخفيه "الفراغ الكبير"؟
يشير التقرير إلى أن الاكتشاف المقبل قد يكون الأهم، إذ يستعد الدكتور حواس وفريقه، بالتعاون مع البودكاست الشهير "مات بيل"، لاستكشاف "الفراغ الكبير" – مساحة غامضة طولها 100 قدم على الأقل، اكتشفت عام 2017 فوق الرواق المركزي للهرم.
والجدير بالذكر أنه يجري حالياً تطوير روبوت صغير لا يتجاوز حجمه سنتيمتراً واحداً، ليتسلل عبر ثقب دقيق في الجدار الحجري بهدف اكتشاف ما يخفيه هذا الفراغ.
ورغم أن حواس يأمل في العثور على مقبرة الملك خوفو داخل هذا الحيز، فإن بعض الباحثين يشككون في ذلك، مشيرين إلى أن الأهرامات لم يعثر فيها على مقابر ملكية حقيقية، ولا على توابيت أو مومياوات كاملة.