فلسطين ممنوعة من المنبر، لكن صوتها يُحرج حيادية الأمم المتحدة

بقلم : محمد جمال صوالي مراقب للسياسات غزة – فلسطين

قرار الإدارة الأمريكية بمنع الوفد الفلسطيني من المشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة يُعد تطورًا غير مسبوق في مسار العلاقات الدولية، ويثير قلقًا بالغًا بشأن مدى التزام الدولة المضيفة بمبادئ القانون الدولي، لا سيما اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947، الذي ينص بوضوح على ضرورة تمكين الوفود الرسمية من الوصول إلى مقر المنظمة دون تمييز أو عرقلة. تجاوز هذا الالتزام يُشكل خرقًا واضحًا للمعايير القانونية التي تأسست عليها المنظمة الأممية، ويضع حياديتها على المحك في لحظة سياسية دقيقة. إلغاء التأشيرات، بما يشمل الرئيس محمود عباس، لا يمكن فهمه إلا كمحاولة متعمدة لتقويض الحضور الفلسطيني في أهم منبر دولي، في وقت كانت فيه القيادة الفلسطينية تستعد لتقديم إعلان دستوري يُجدد التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستقلاله. هذا الإجراء لا يستهدف أفرادًا بعينهم، بل يطال رمزية وطنية تمثل تطلعات شعب بأكمله نحو العدالة والحرية، ويُعبّر عن رغبة في تعطيل المسار السلمي الذي اختاره الفلسطينيون لإيصال صوتهم إلى العالم. ازدواجية المعايير تبدو جلية في هذا السياق، إذ لطالما مُنحت وفود دولية أخرى، رغم التوترات السياسية، استثناءات دبلوماسية تتيح لها الوصول إلى نيويورك، بينما يُقابل الوفد الفلسطيني بمنع غير مبرر، ما يكشف عن خلل في مبدأ الحياد ويطرح علامات استفهام حول استقلالية القرار الأممي في ظل الضغوط السياسية التي تمارسها بعض الدول ذات النفوذ. تداعيات هذا القرار لا تقتصر على الجانب الفلسطيني، بل تمتد لتطال مصداقية النظام الدولي برمته، وتُضعف من قدرة الأمم المتحدة على حماية ميثاقها ومبادئها المؤسسة. كما أن الأثر الأخلاقي لهذا المنع يتجاوز حدود الإجراء الإداري، ليُلامس جوهر العدالة الإنسانية، ويُعيد طرح سؤال جوهري حول جدوى المنابر الدولية إذا ما فُرضت عليها قيود سياسية تُفرغها من مضمونها. صوت فلسطين، وإن مُنع من دخول القاعة، يظل حاضرًا في ضمير الإنسانية، وفي وجدان الشعوب والمؤسسات التي تؤمن بحق الشعوب في التعبير عن قضاياها العادلة. القرار الأمريكي، مهما بلغت حدته، لا يُسكت هذا الصوت، بل يُعيد التأكيد على أهمية حضوره، ويحفّز المثقفين والناشطين الفلسطينيين على تكثيف جهودهم في الساحات الفكرية والإعلامية، لضمان استمرار الرواية الفلسطينية في وجه محاولات التهميش والإقصاء. دعوة إلى العالم الحر، إلى المؤسسات الدولية، إلى الضمائر الحية: حماية الحق الفلسطيني في التعبير والمشاركة ليست مسألة إجرائية، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية تتجاوز حدود السياسة، وتمتد إلى جوهر العدالة الدولية، وإلى ما تبقى من قيم إنسانية مشتركة.

البوابة 24