بقلم رامي الغف*
كم هو صعب أن تفارق جماهير فلسطين قائداً كبيراً ومغواراً من قادتها في أحلك ظروفها وفي أشد أزماتها، وحين تكون في أوج الحاجة له، وكم هو عسير أن توضع هذه الجماهير في مفترق طرق خطير بدون أن يكون لديها ذلك الملهم الذي تترك له حبل القياد بدون أن تفتش أو تعي أنفسها بالتفكير مليا في كيف ومتى وأين. عند القائد الفلسطيني العروبي سمير غوشه (ابو سامي) كانت الإجابات المختلفة للمسائل كلها، ومنه كانت تصح جميع الحلول وتتضح كل المسائل والدروب، وفي فقده وجدت الجماهير أن ظلام الوطن الفلسطيني قد يطول، لولا ذلك الإرث الذي تركه والبناء الذي خلفه والوصية التي جعلها عنوانا لمستقبلهم القادم. نعم أبت أجفان سمير غوشة ( ابو سامي ) أن تغمض إلا وهو يضع مع إخوته ورفاقه في منظمة التحرير الفلسطينية وجبهه النضال الشعبي التي أحبها واحبته في السفينة الفلسطينية التي تنجينا من الهلاك وتلقي بنا على شواطيء السلام غير أبهة بالمصاعب والمحن، كيف لا ومنظمة التحرير كانت هي التي إحتضنت الشعب وحملت همومه في تلك المرحلة الصعبة والحرجة التي كاد فيها كل شيء أن ينتهي ويصبح تاريخ الوطن بأجمعه ضربا من الأمس البعيد. نعم فكلنا نجد في منظمة التحرير الفلسطينية وكافه الفصائل المنطوية فيها وهذه النخبة الخيرة من أبناء الوطن وقادته سفينة نجاة تهدينا السبيل إلى الطريق الصحيح، وتصحح لنا مسارات القادم وتوضح السبيل نحو مستقبل مشرق ننشده جميعا. لقد فقدنا سمير غوشه ( أبا سامي ) وطويت صفحة مليئة بالنضال والعز والفخار، ومضى فارس من فرسان المقاومة والجهاد ضد الإحتلال والإستبداد والإستعباد وسندفن معه تلك الريح الطيبة التي تذكرنا بالراحلين الأوائل من طراز أبو عمار وجورج حبش والنجاب وأبو جهاد وأبو على مصطفى والقاسم وفيصل وقبلاني، أولئك الخلص الذين إنتصروا للوطن فجاهدوا فيه حق جهاده وما بدلوا تبديلا، والعاقبة للمتقين المؤمنين بوطنهم والموقنين بعزة هذا الوطن والقادرين على صون عزته وكرامته. أبا سامي لقد جاء الرحيل في زمن يصعب فيه الفراق وفي منعطف تتكاثر فيه الخناجر وفي متاهة تضيع فيها الركبان فكيف ونحن نفقد رجلاً عرفته الملمات وشهدت الخطوب بمواقفه، حين فقدت الجماهير القادة الأحبه وقفت أنت في الميدان تعلن إنتصارك على حاقيديهم، وها أنت ترحل الآن وها هم النخبة الطيبة والصحب الخيرون يتبارون ليكون كل منهم سمير غوشه وليكون الجميع قادة وبناة للوطن الكبير. وداعا يا سيدي، فنعم الفارس انت ونعم الفارس من خلفت من ورائك، عزاءنا الوحيد ان الرحم الفلسطيني ولود، وستبقى مسيرتك أبا سامي ناصعة بيضاء ونبراسا لكل الثائرين الأحرار. ترجلت أبا سامي ولم يكبُ جوادك ايها الفارس المغوار، ترجلت لتلتحق بركب اخوانك ورفاقك واعزائك من الشهداء الابرار الذين سبقوك على طريق ذات الشوكة، الطريق اللاحب الذي اختطه شهيد فلسطين ياسر عرفات فالتحقت بموكب النور والعزة والكرامة. ايها القائد البطل سمير غوشه يا من عرفناك شجاعاً باسلاً وانت تقاتل برفقه رفاقك طيلة اكثر من عقدين فشهدت لك سوح الجهاد وسوح منظمة التحرير الفلسطينية، ايها الرجل الذي عرفناه لا تلويه مصيبة ولا مكروه ولا حاجة ولا فاقة، لم تغادر الابتسامة شفتيك في احلك الظروف وفي اصعب المواقف، كنت شامخاً كشموخ الجبال ورقيقاً كقطرات الندى وقائداً صلباً لا يخاف بالله لومه لائم. فارقتنا أبا سامي جسداً وروحك هاهنا تحل ضيفاً كريماً بيننا نستلهم منها الذكريات وانت تفتح قلبك الكبير وتحدثنا عن القدس وغزة ورام الله وعبسان وبيت حانون وجنين ونابلس وجباليا، كيف يمكن لنا ان نؤبنك ونحن لم نصدق بعد انك ارتفعت الى عليين حاملاً قضايا شعبك في يمناك وخارطة فلسطين العظيمة في يسراك. إن الطريق الذي سلكته ( أبا سامي ) لهو مسلك الرجال الاشداء الاوفياء الابطال ولا نقول في مثل يومك هذا الا ما قاله الشاعر الناس للموت كخيل الطراد فالسابق السابق منها الجواد والموت نقاد على كفه جواهراً يختار منها الجياد دفنت في الترب ولو انصفوا ما كنت الا في صميم الفؤاد فسلام عليك ( أبا سامي ) يوم ولدت، ويوم فارقتنا، ويوم تبعث حي عند رب رحيم رؤوف. *الاعلامي والباحث السياسي
