الجدي لا يلعب على تيس.. درس القوة والسيطرة الرقمية

 بقلم: د. نهاد رفيق السكني

هذا المثل الشعبي الريفي–البدوي منتشر في بلاد الشام وفلسطين ومصر، وأصله ملاحظة حياتية من تربية الماشية، قبل أن يتحوّل إلى حكمة مجرّدة. هو لا يمجّد القوة بقدر ما يفضح وهم الذكاء حين ينفصل عن ميزان القوى. القصة ببساطة: الجدي هو ذكر الماعز الصغير؛ قليل الخبرة، ضعيف البنية. والتيس هو ذكر الماعز البالغ؛ قوي، عنيد، يعرف الأرض والقطيع. في الواقع الريفي، قد يحاول الجدي النطح أو المشاكسة تقليدًا للكبار، لكن التيس لا يُخدع ولا يُناوَر؛ ضربة واحدة منه قد تُسقط الجدي أو تؤذيه. لذلك كان التحذير يتكرر دائمًا: إيّاك… الجدي لا يلعب على تيس. وبنفس المنطق، عالم القوة الرقمية اليوم مليء بالجديان الذين يظنون أن الذكاء وحده يكفي لتحدي الكبار، لكن الواقع يقول: من يمتلك الأرض، الخبرة، والسيطرة على الموارد، يملك القدرة على إسقاط أي تحدٍ وهمي قبل أن يبدأ. اعتبرت الصين أن سياستها تجاه الإنترنت لم تكن يوماً قراراً عشوائياً أو رد فعل على ضغوط خارجية. منذ أكثر من عقد، اتخذت الصين قرارًا صارمًا وواضحًا: فيسبوك، تويتر، يوتيوب، واتساب، وكل الخدمات الرقمية الأجنبية التي لا يمكن مراقبتها، ممنوعة من دخول الصين. هذا الحظر ليس ترفاً ولا تعسفًا، بل تعبير عن فهما الصينيين العميق للإنترنت كساحة قوة استراتيجية. كل منصة رقمية غربية تحمل معها أجندة، تؤثر على الرأي العام، وتنقل المعلومات دون رقابة، وهو أمر يشكل تهديدًا مباشرًا على أمن الدولة. خذوا مثال واتساب: خدمة مشفرة من طرف إلى طرف، لا يمكن لأي جهة داخل الصين مراقبة الرسائل أو التحكم في محتواها. هذا ليس مجرد خلل تقني، بل بوابة مفتوحة للمعلومات المسمومة، للعمليات النفسية، وللتجسس تحت ستار التواصل الشخصي. لذلك، لم تسمح الصين بهذه الأدوات، بل صممت بدائل محلية مثل WeChat وWeibo وBaidu، منصات كاملة الخضوع للرقابة والتوجيه، تسمح بالتحكم الكامل في المعلومات، بوعي استراتيجي، وبإمكانية التدخل الاستباقي في أي أزمة محتملة. وأوضحت الصين للعالم أن خوفها من الغرب ليس مسألة تخوف، بل فهم دقيق لقواعد اللعبة الرقمية قبل أن يحاول الآخرون فرضها. الإنترنت الحر بلا رقابة ليس رفاهية، بل خطر وتهديد محتمل للأمن القومي، يوازي أي تهديد عسكري أو سياسي. كل رسالة غير مراقبة، كل فيديو يُتداول بلا خضوع للسيطرة، يمكن أن يصبح قنبلة استراتيجية ضد استقرار الدولة والمجتمع. من يظن أن منع فيسبوك أو واتساب هو مجرد تصرف سلطوي، عليه أن يفهم: الصين تتعامل مع الإنترنت كأداة حرب، ومن يملك السيطرة على تدفق المعلومات، يملك مستقبل الأمة. هذه ليست سياسة حماية وطنية فقط، بل تحذير عالمي: من يحاول اختراق فضاء الصين الرقمي أو التأثير على الصينيين دون رقابة، سيواجه الاستراتيجية الكاملة للدولة الصينية في الدفاع عن أمنها الرقمي، الاقتصادي، والسياسي. وفي ليلة بلا قمر، ظهر تيك توك، التطبيق الذي بدا للغرب منصة هبل ورقص وترفيه، لكنه صمم كأداة جديدة للسيطرة الناعمة على العالم. بخوارزميات صينية دقيقة، يوجه الانتباه، يصنع الرغبات، ويفرض واقعًا افتراضيًا يتحرك وفق رؤية واضحة ومقاصد استراتيجية. تيك توك لم يعد مجرد منصة ترفيه، بل امتداد للقدرة الصينية على إدارة المعلومات والتأثير على الجماهير عالميًا، بطريقة ذكية، دقيقة، ومحكمة. لكن هنا الأمر لم يعد يعجب الولايات المتحدة الأمريكية. الدولة التي تسيطر على البيانات، الخوارزميات، والذكاء الاصطناعي—أمريكا، الملكة المطلقة في هذا المجال—وجدت نفسها مواجهة بأداة قوة ناعمة صينية تتحدى سيطرتها. لم يعد بإمكانها التظاهر بالحياد أو اللامبالاة. ماذا فعلت؟ قامت بفرض سيطرتها على تيك توك، خطوة استراتيجية تعتبر الضربة القاضية. كان الهدف من هذه السيطرة ليس مجرد رقابة أو حظر، بل إعادة التأكيد على هيمنة أمريكا الرقمية، وكأنها تقول للعالم بأسره: "الجدي لا يلعب على تيس"—أي أن من يحاول تحدي الهيمنة الأمريكية، سيواجه صرامة وفرض سيطرة كاملة، سواء على البيانات أو الخوارزميات أو تدفق المعلومات. الضربة القاضية لأمريكا ضد تيك توك لم تكن لحظة عشوائية، بل خطة استراتيجية متعددة المستويات. البداية كانت بتحويل التطبيق من مجرد منصة ترفيه إلى تهديد للأمن القومي الأمريكي، ليُصبح الملف من اختصاص وزارة التجارة إلى الكونغرس والمخابرات والبيت الأبيض. لم تهاجم أمريكا المحتوى، بل هاجمت الخوارزمية نفسها، العقل الذي يحدد ما يراه المستخدم، ويمتلك القدرة على توجيه الانتباه، تشكيل الرغبات، وبناء سلوك جماهيري. تزامن ذلك مع استهداف البيانات الشخصية للمستخدمين الأمريكيين، لتصبح السكين الهادئة التي تهدد مستقبل المعلومات، حتى وإن لم تُستعمل الآن. ثم جاء الضغط القانوني: أوامر تنفيذية، تهديد بالحظر، وإجبار تيك توك على البيع أو الخروج من السوق، في رسالة واضحة للجميع تقول: “الجدي لا يلعب على تيس”. ولم تكن هذه الضربة موجهة للصين وحدها، بل للعالم كله: أي منصة عالمية، أي خوارزمية مؤثرة، يجب أن تخضع للنظام الأمريكي، وأن تُلعب ضمن قواعد السيطرة الأميركية. والأخطر من كل ذلك، أن الضربة كانت نفسية بامتياز؛ إذ لم تُناقش، لم تتفاوض، لم تُرَحّم، بل أظهرت الهيمنة المطلقة لأمريكا في ساحة القوة الرقمية العالمية، مؤكدة أن من يملك السيطرة على الخوارزميات، يملك النفوذ، ويسيطر على مستقبل وعي الجماهير. سيطرة أمريكا على تيك توك لم تكن مجرد إجراء تقني، بل تحذير سياسي واستراتيجي: الولايات المتحدة لن تسمح لأي قوة رقمية جديدة بأن تبني نفوذها خارج نطاق هيمنتها، وأن تؤثر على الرأي العام العالمي بلا إذن أو مراقبة أمريكية. بهذا المعنى، تيك توك أصبح مسرحًا لتنافس استراتيجي عالمي، بين الصين التي تطور أدواتها الرقمية لتوسيع نفوذها، وأمريكا التي لا تتسامح مع أي تهديد لمركزها كـ"ملكة البيانات والخوارزميات". اليوم، الإنترنت لم يعد مجرد فضاء ترفيهي أو منصة للتواصل. أصبح ساحة حرب استراتيجية، حيث تتصارع الصين وأمريكا على النفوذ الرقمي العالمي. الحظر الصيني للخدمات الأجنبية، ظهور تيك توك كأداة قوة ناعمة، ورد الفعل الأمريكي بالسيطرة الكاملة، كلها علامات على تحول رقمي عالمي لا يمكن تجاهله. من يسيطر على الخوارزميات والبيانات، يسيطر على وعي الملايين. ومن يسيطر على الوعي، يسيطر على المستقبل. الصين وأمريكا اليوم ليستا مجرد دولتين، بل قطبان رقميان يتنافسان على سيطرة مصير العالم في القرن الحادي والعشرين.

حسابي على تويتر www.x.com/sakany

البوابة 24