يثير مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، بعد نحو 37 عاماً في السلطة، تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي في إيران، وسط بدء ملامح مرحلة انتقالية معقدة تتشكل منذ الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان عن اغتياله.
مجلس قيادة مؤقت وفق الدستور
عقب تأكيد مقتل علي خامنئي، أعلنت إيران تشكيل مجلس لتولي مهام القيادة وإدارة شؤون البلاد بشكل مؤقت، استناداً إلى أحكام الدستور.
ويتألف المجلس من الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إجئي، إضافة إلى عضو في مجلس صيانة الدستور يختاره مجمع تشخيص مصلحة النظام. ويتولى المجلس «جميع مهام القيادة» إلى حين اختيار مرشد أعلى جديد.
دور «مجلس خبراء القيادة»
بموجب القانون الإيراني، يتعين على مجلس خبراء القيادة، المؤلف من 88 رجل دين شيعي منتخبين كل ثماني سنوات، اختيار المرشد الأعلى الجديد في أقرب وقت ممكن. وتخضع ترشيحات أعضائه لمصادقة مجلس صيانة الدستور، المعروف باستبعاد عدد من المرشحين في الاستحقاقات الانتخابية المختلفة.
وكان مجلس صيانة الدستور قد منع كلاً من حسن الخميني وحفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، والرئيس الأسبق حسن روحاني من الترشح لانتخابات مجلس الخبراء في مارس 2024.
تسريع البحث عن خليفة
تسارعت مشاورات الخلافة منذ حرب يونيو 2025، بعدما أسفرت الضربات الإسرائيلية عن مقتل عدد من القادة العسكريين ومسؤولي البرنامج النووي. وبحسب «رويترز»، فعّلت لجنة ثلاثية داخل مجلس الخبراء – عيّنها خامنئي قبل عامين – خططها لتحديد هوية المرشد المقبل.
وبرز اسمان رئيسيان: مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، وحسن الخميني، حفيد المرشد الأول.
مجتبى خامنئي.. نفوذ واسع وجدال حول التوريث
يُعد مجتبى خامنئي، البالغ 56 عاماً، أحد أبرز الأسماء المطروحة. ورغم عدم توليه منصباً حكومياً رسمياً، يُنظر إليه باعتباره شخصية نافذة داخل مكتب والده وذات صلات وثيقة بقيادات «الحرس الثوري».
غير أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن قد يثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والدينية، وحتى بين مؤيدي النظام، في ظل مخاوف من تكريس نمط «توريث» للسلطة. وكان خامنئي قد عارض علناً، في مناسبات سابقة، فكرة خلافة أحد أبنائه له.
فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى عام 2019، معتبرة أنه يمثل المرشد رسمياً دون تولي منصب منتخب. كما أثير اسمه في انتخابات 2005 و2009، وسط اتهامات بالتدخل ودعم مرشحين بعينهم، لا سيما خلال احتجاجات «الحركة الخضراء».
حسن الخميني.. مرشح الإصلاحيين
في المقابل، يُنظر إلى حسن الخميني، البالغ 53 عاماً، بوصفه خياراً يحظى بدعم التيار الإصلاحي، مع احتفاظه بعلاقات محترمة مع كبار رجال الدين ودوائر نافذة، بحكم كونه حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية.
كان قد مُنع من الترشح لعضوية مجلس الخبراء عام 2016، كما نصحه خامنئي بعدم خوض الانتخابات الرئاسية في 2021. ويبرز كذلك اسم شقيقه علي الخميني، المقيم في النجف، إضافة إلى مسعود خامنئي، الابن الثالث للمرشد الراحل.
أسماء أخرى مطروحة
إلى جانب أبناء خامنئي وأحفاد الخميني، تتداول الأوساط السياسية أسماء رجال دين بارزين، من بينهم علي رضا أعرافي، مدير الحوزات العلمية ونائب رئيس مجلس خبراء القيادة، الحاصل على لقب «آية الله».
وكانت أسماء عدة تُطرح سابقاً بوصفها مرشحة محتملة، إلا أن بعضها غاب بوفاة شخصيات بارزة مثل هاشمي رفسنجاني عام 2017، ومحمود هاشمي شاهرودي عام 2018، وإبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية عام 2024، فضلاً عن تراجع نفوذ صادق آملي لاريجاني.
انتقال نادر للسلطة
لم تشهد إيران سوى انتقال واحد سابق في منصب المرشد الأعلى، حين توفي مؤسس الجمهورية الإسلامية عام 1989، ليخلفه خامنئي. ويأتي الانتقال الحالي في سياق إقليمي متوتر، أعقب حرباً استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025.
صلاحيات واسعة وموقع مركزي
يمثل منصب المرشد الأعلى الركيزة الأساسية لنظام «ولاية الفقيه»، إذ يتمتع بصلاحيات واسعة تشمل القيادة العامة للقوات المسلحة، بما في ذلك «الحرس الثوري» الذي تعزز نفوذه بشكل ملحوظ خلال عهد خامنئي.
كما يقود «الحرس الثوري» ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، ويملك نفوذاً عسكرياً واقتصادياً واسعاً داخل إيران وخارجها، ما يجعل هوية المرشد المقبل عاملاً حاسماً في رسم ملامح المرحلة السياسية المقبلة في البلاد.
