مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك وحلول عيد الفطر، تتزايد حالة الترقب والقلق لدى موظفي القطاع العام في فلسطين بشأن موعد صرف رواتبهم ونسبتها، في ظل أزمة مالية توصف بأنها الأشد منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994.
الأزمة الحالية تأتي نتيجة استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة للشهر العاشر على التوالي، وهي الأموال التي تشكل نحو 68% من الإيرادات العامة للحكومة، ما أدى إلى تضييق هامش الحركة المالية أمام وزارة المالية إلى حد غير مسبوق.
وكان وزير المالية والتخطيط د. اسطيفان سلامة قد وصف الوضع المالي خلال مؤتمر صحفي عقده مؤخراً بأنه "أزمة وجودية"، مؤكداً أن توفير نسبة 60% من الراتب في الدفعة الأخيرة كان أشبه بـ"شبه معجزة"، دون الكشف عن تفاصيل مصادر التمويل. إلا أن معلومات حصلت عليها صدى نيوز تشير إلى أن الحكومة اعتمدت حينها على الإيرادات المحلية إلى جانب تسهيلات مصرفية بضمانات من هيئات محلية.
كلفة الرواتب تتجاوز الإمكانات
بحسب المعطيات المالية، فإن صرف 60% من رواتب الموظفين مع حد أدنى 2000 شيقل يتطلب نحو 720 مليون شيقل، وهو رقم يبدو صعب التحقيق في الظروف الحالية.
فالإيرادات المحلية لا تتجاوز ما بين 350 إلى 400 مليون شيقل شهرياً، في حين تلتزم الحكومة بسداد خدمة الدين العام للبنوك بما يقارب 300 مليون شيقل شهرياً، ما يترك هامشاً محدوداً للغاية لتغطية النفقات الأساسية وعلى رأسها الرواتب.
وتبلغ فاتورة الرواتب الشهرية للقطاع العام نحو مليار و50 مليون شيقل، فيما يصل عدد الموظفين إلى حوالي 172 ألف موظف.
سيناريوهات صعبة قبل العيد
مصدر مطلع أشار إلى أن الحكومة لم تحسم حتى الآن موعد صرف الرواتب أو نسبتها، لكن المؤشرات الحالية تدل على أن النسبة ستكون أقل من الأشهر السابقة.
وأوضح المصدر أن عدة سيناريوهات ما تزال مطروحة، من بينها:
- صرف نسبة تتراوح بين 40% و50% من الراتب.
- صرف دفعة أولى قبل العيد وأخرى بعده، مثل 30% قبل العيد ومثلها بعد انتهاء العطلة.
- صرف مبلغ مقطوع لجميع الموظفين يتراوح بين 2000 و2500 شيقل.
وأكد المصدر أن الصورة قد تتضح بشكل أكبر خلال الأسبوع المقبل، مع تقييم حجم الإيرادات المتاحة.
تراجع الإيرادات خلال رمضان
كانت التوقعات تشير إلى إمكانية ارتفاع الإيرادات المحلية خلال شهر رمضان نتيجة زيادة حركة الاستهلاك، إلا أن ذلك لم يتحقق.
ويُعزى هذا التراجع إلى انخفاض القوة الشرائية لدى المواطنين، إضافة إلى تأثير الإغلاقات والحواجز على الحركة التجارية، في ظل التصعيد الإقليمي الأخير، وهو ما انعكس سلباً على العوائد الضريبية المحلية.
المقاصة.. الأزمة الأكبر
تواصل إسرائيل احتجاز أموال المقاصة منذ نحو 10 أشهر، في خطوة تهدف إلى الضغط مالياً على السلطة الفلسطينية.
وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل تحتجز نحو 16 مليار شيقل من هذه الأموال.
وكانت إسرائيل منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 قد بدأت بخصم مبالغ إضافية من المقاصة، خاصة تلك المتعلقة برواتب موظفي السلطة في قطاع غزة، والتي تُقدّر بنحو 272 مليون شيقل شهرياً.
ديون متراكمة وقضايا تعويض
تكشف بيانات وزارة المالية أن إجمالي الديون والمستحقات المتراكمة على الحكومة وصل مع نهاية عام 2025 إلى نحو 47.4 مليار شيقل.
وفي الوقت ذاته، تواجه السلطة الفلسطينية مئات القضايا المرفوعة ضدها في المحاكم الإسرائيلية، حيث يبلغ عددها نحو 475 قضية، وتقدّر قيمة التعويضات المطالب بها بنحو 65 مليار شيقل، وهو رقم قد يصل إلى أربعة أضعاف قيمة أموال المقاصة المحتجزة حالياً.
وفي ظل هذه المعطيات المعقدة، يبقى مصير رواتب الموظفين قبل عيد الفطر مفتوحاً على عدة احتمالات، بانتظار ما ستتمكن الحكومة من توفيره من إيرادات خلال الأيام المقبلة.
