البوابة24 /محمد أبو دون
تقف سناء (اسمٌ مستعار) على قدميها منذ الصباح، لا لأن عملها يتطلب ذلك فقط، بل لأن الحياة دفعتها إلى زاويةٍ لا تحتمل رفاهية الجلوس.
عند الثامنة تبدأ يومها، وعند الرابعة تنتهي، دون استراحةٍ تُذكر، كأن الزمن في يومها ممتدٌ بلا رحمة: ثماني ساعات متواصلة من الوقوف، مقابل راتب لا يتجاوز 800 شيكل في أفضل الأحوال.
لم يكن هذا الخيار مهنيًا بقدر ما كان اضطرارًا قاسيًا، فبعد أن خسرت أسرتها منزلها في حي الشيخ رضوان، وفقد والدها مصدر رزقه الوحيد، وجدت سناء نفسها، كبرى إخوتها الثمانية، في مواجهة فراغ اقتصادي خانق داخل ساحة الجندي المجهول، حيث النزوح لا يترك مجالاً للخيارات.
هناك، يصبح أي إعلان عمل طوق نجاة، حتى لو كان مثقلاً بالشروط المجحفة. تخبرنا أنها تقدمت لإعلان صادفته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، استهدف شابات للعمل ضمن شركات أمن خاصة.
بدت الفرصة، في ظاهرها بابًا للنجاة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن ما ينتظرها هو نظام عمل قاسٍ، يتمثل بنحو 50 ساعة أسبوعيًا موزعة على ستة أيام، بأجر محدود لا يتناسب مع الجهد المبذول.
مع ذلك، لم يكن أمامها سوى القبول. في هذا العمل، لا تقف سناء عند بوابة واحدة، بل تنتقل بين محال تجارية ومطاعم ومنشآت صغيرة، تؤدي مهام التنظيم، وتفصل في الإشكاليات، وتراقب المكان لمنع السرقات.
أدوارٌ متعددة تُلقى على عاتقها، دون تدريبٍ كافٍ، ودون حمايةٍ حقيقية، وأحيانًا يمتد العمل لساعات متأخرة من الليل، لكن تلك الساعات لا تُحتسب، وكأنها خارج الزمن الرسمي للأجور.
تدرك سناء أن ما تتعرض له ليس استثناءً، بل نمطًا يتكرر، وتقول بمرارة: "غياب الرقابة والقانون فتح الباب واسعًا أمام شركات الأمن الخاصة لتمنح العاملين "الفتات"، مستفيدة من حاجتهم القاسية".
في دير البلح، تعيش لينا (اسم مستعار كذلك) حكاية لا تختلف كثيرًا، وإن اختلفت التفاصيل، فتحت سقف من الصفيح المعدني، تتضاعف حرارة المكان، بينما تتدفق الحشود داخل أحد المولات (المجمعات التجارية) بلا توقف.
هناك، تقضي يومها في التفتيش وتنظيم الدخول ومنع التدافع، في عمل يتطلب يقظة دائمة وجهدًا بدنيًا ونفسيًا لا ينقطع.
يبدأ يومها عند التاسعة صباحًا وينتهي في الخامسة مساءً، مقابل راتب يصل بالكاد إلى 1000 شيكل. تقول: "لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، لكنه بالنسبة لي الحد الأدنى الممكن في واقعٍ فقدتُ فيه كل شيء تقريبًا".
لينا، خريجة إدارة الأعمال من جامعة القدس المفتوحة، لم تجد في شهادتها ملاذًا، بل وجدت نفسها تدفع بها جانبًا لتواجه واقعاً أكثر قسوة! نزحت من جباليا إلى خيمة مهترئة في دير البلح وسط القطاع، بعد أن فقدت منزلها ووالدها وشقيقها في قصف إسرائيلي مطلع عام 2024.
منذ تلك اللحظة، لم تعد مجرد شابة تبحث عن عمل، بل أصبحت المعيلة الوحيدة لأسرة مكونة من ستة أفراد. هنا لم يعد السؤال: "ما العمل المناسب؟"، بل "ما العمل الممكن؟".
تضيف: "التحقتُ بإحدى شركات الأمن في سبتمبر الماضي، وأنا أدرك تمامًا أن حقوقي منقوصة، وأن ما أتقاضاه لا يعادل ما أقدمه من جهد، لكنني، مثل غيري، عاجزة عن الاعتراض، فغياب القانون والرقابة يجعل الشكوى بلا جدوى، ويحوّل القبول بالأمر الواقع إلى الخيار الوحيد".
العمل، كما تصفه، مرهقٌ إلى حد الاستنزاف. احتكاكٌ يوميٌ مع مئات الأشخاص، وحالات تدافع، وتوترات، وأحيانًا مشادات كلامية تتطلب منها ضبط النفس وإدارة الموقف في آنٍ واحد، كل ذلك، دون أي غطاء حقيقي يحميها أو يضمن حقوقها.
تختصر لينا المشهد بقولها: "أصحاب شركات الأمن يدركون تمامًا حجم الحاجة، ويستقوون بها، ويعرفون أن العاملات لا يملكن ترف الرفض، فيستمرون في فرض شروطهم، بينما تتضخم أرباحهم في ظل حركة تجارية نشطة، لا ينعكس منها شيء يُذكر على أجور العاملين".
ورغم محاولات الوصول إلى إجابات حول أجور العاملات في الشركة، امتنعت شركات الأمن الخاصة في غزة عن التعليق أو توضيح آليات العمل والرواتب، تاركة خلفها أسئلة معلّقة، وأصواتًا لا تجد من يسمعها.
ووفق الأخصائية النفسية علا كمال، فإن ما أسمته "هذا النوع من الاستغلال"، يترك ندوبًا أعمق من مجرد تعبٍ جسدي، "إذ لا يمكن النظر إلى ما تعيشه الشابات بوصفه عملًا شاقًا فحسب، بل بوصفه حالة ضغط مزمنة تُعيد تشكيل علاقتهن بأنفسهن وبالعالم من حولهن" تقول.
وتضيف: "حين تقف الشابة لساعات طويلة تحت وطأة الحاجة، دون تقدير أو حماية، يتسلل إليها شعور متراكم بالإنهاك النفسي. ومع الوقت، يتحول الإرهاق إلى قلق دائم، وإلى توترٍ لا ينطفئ حتى خارج ساعات العمل".
تصبح (والحديث لكمال) في حالة استنفار مستمر، تخشى الخطأ، وتخشى فقدان العمل، وتخشى أكثر من ذلك أن تعجز عن تلبية احتياجات من تعيلهم، مردفةً: "هذا الثقل اليومي قد يقود تدريجيًا إلى أعراض اكتئاب، وشعورٍ خفي بالعجز، حتى وإن بدت في ظاهرها صامدة".
ولا يقف الأثر عند حدود الذات، بل يمتد إلى نظرتها لنفسها، "فحين تُختزل جهودها في أجرٍ زهيد، ويتكرر تجاهل حقوقها، تبدأ صورة الذات بالتآكل بصمت، فتشعر بأنها أقل قيمة مما تقدمه، وأن تعبها غير مرئي، ما يخلق فجوة داخلية بين ما تستحقه وما تحصل عليه".
أما اجتماعيًا، فقد تدخل الشابة في دائرة معقدة من الأدوار المتداخلة، فهي ليست عاملة فقط، بل معيلة، وأحيانًا بديلة عن أبٍ أو أخٍ غائب. "هذا التحول المفاجئ يضعها تحت ضغط مضاعف، ويحمّلها مسؤوليات تفوق عمرها وتجربتها، ومع غياب الدعم المجتمعي الكافي، قد تجد نفسها معزولة، غير قادرة على مشاركة ما تعيشه، أو حتى التعبير عنه" تزيد.
كما أن طبيعة العمل نفسها، بما تتضمنه من احتكاك يومي وضغوط ميدانية -وفقًا للأخصائية النفسية- قد تضعها في مواقف توتر وصدام متكرر، ما يزيد من احتمالية تراكم الغضب المكبوت أو الانفعال الداخلي، "وفي بيئة لا تتيح التفريغ النفسي، يتحول هذا التراكم إلى عبء إضافي قد ينعكس على علاقاتها داخل الأسرة، أو على قدرتها على الاستمرار بنفس الوتيرة" تتابع.
الأخطر من ذلك، أن استمرار هذا النمط من الاستغلال قد يرسّخ لدى بعضهن قناعة قاسية بأن هذا هو "السقف الممكن"، وأن العمل المشروط بالإجحاف هو قدر لا يمكن تغييره، "وهنا، لا يُستنزف الجسد فقط، بل تُستنزف أيضًا القدرة على الحلم، وعلى المطالبة بحقوق أكثر عدلاً" تختم.
في هذا المشهد، لا تبدو الحكايات فردية، بل جزءًا من واقعٍ أوسع، حيث تتقاطع الحاجة مع الغياب الكامل للرقابة، وتتحول فرص العمل إلى مساحات استغلال مقنّعة.
