بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد احتمالات الانزلاق نحو مواجهة واسعة، تبرز مبادرة مشتركة تقودها الصين بالشراكة مع باكستان، كمحاولة دبلوماسية ذات أبعاد استراتيجية تتجاوز منطق الوساطات التقليدية، لتلامس جوهر التحولات الجارية في بنية النظام الدولي. هذه المبادرة، التي ترتكز على وقف إطلاق النار، وإطلاق مسار تفاوضي مباشر، وحماية البنية التحتية الحيوية، وضمان أمن الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب السعي لإطار قانوني دولي برعاية الأمم المتحدة، تعكس مقاربة متكاملة تستهدف احتواء التصعيد ومنع تحوله إلى صراع مفتوح ذي تداعيات عالمية. يشير هذا التحرك إلى انتقال الصين من موقع الشريك الاقتصادي إلى فاعل سياسي يسعى إلى المساهمة في إدارة الأزمات الدولية، مدفوعًا بمصالح استراتيجية ترتبط بأمن الطاقة واستقرار طرق التجارة العالمية، في إطار مبادرة الحزام والطريق. في المقابل، تضيف باكستان إلى هذه المبادرة عنصر التوازن الدبلوماسي، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشعبة مع الولايات المتحدة وإيران، بما يعزز فرص قبول المبادرة لدى أطراف متعددة. في هذا السياق، يبرز التساؤل حول موقع الدول العربية، وبخاصة الخليجية، من هذه المبادرة. إذ تنتهج السعودية والإمارات وقطر وعمان سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات وتوازن العلاقات بين القوى الكبرى. وقد شهدت العلاقات بين السعودية والصين تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، شمل مجالات الطاقة والاستثمار والتنسيق السياسي، الأمر الذي يمنح بكين مساحة أوسع للتأثير في الحسابات الإقليمية، دون أن يلغي في الوقت ذاته الثقل الاستراتيجي للعلاقة مع الولايات المتحدة. هذا وتتوافر مجموعة من العوامل التي قد تدفع نحو انخراط عربي—ولو بشكل تدريجي—في هذه المبادرة:؟؟ وتقاطع بنودها مع المصالح الحيوية لدول الخليج، خاصة ما يتعلق بأمن الطاقة واستقرار الممرات البحرية في ظل الحاجة إلى تجنب سيناريوهات التصعيد التي قد تنعكس سلبًا على الاقتصادات الوطنية ، مع وجود سوابق للتعاون مع الصين في ملفات إقليمية حساسة ، في المقابل، تفرض اعتبارات أخرى حدودًا لهذا الانخراط، أبرزها:_ استمرار الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة ، الحذر من منح إيران مكاسب سياسية غير متوازنة والحرص على عدم الانزلاق إلى محاور متعارضة في بيئة دولية شديدة الاستقطاب ضمن هذا المشهد، يحتل الأردن موقعًا خاصًا، بحكم دوره التقليدي كعامل استقرار إقليمي، وعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف. ويُتاح للأردن، في ظل هذه التحولات، أن يضطلع بدور توازني يسهم في: - تعزيز التنسيق العربي تجاه لمبادرات الدولية والدفع نحو مقاربات شاملة تربط الاستقرار الإقليمي بحل القضايا الجوهرية والحفاظ على حضور عربي فاعل في أي ترتيبات دولية قادمة هذا ويبقى إدراج القضية الفلسطينية ضمن أي إطار تسوية شرطًا أساسيًا لضمان استدامة الاستقرار. إذ أن تجاوز هذا الملف، أو تأجيله، من شأنه أن يُبقي جذور التوتر قائمة، مهما بلغت فعالية الترتيبات الأمنية أو الاقتصادية. ومن هنا، فإن أي انخراط عربي في المبادرة ينبغي أن يستند إلى رؤية تضمن عدم تهميش هذا الملف، بل إدماجه ضمن مسار الحلول الشاملة. خلاصة القول ، تعكس المبادرة الصينية–الباكستانية ملامح مرحلة دولية تتجه نحو تعددية الأقطاب، حيث تتقاسم القوى الكبرى أدوار التأثير في إدارة الأزمات. وفي هذا الإطار، يبدو أن الانخراط العربي—وخاصة الخليجي—سيأخذ طابعًا تدريجيًا ومحسوبًا، يقوم على تحقيق التوازن بين الشراكات التقليدية والانفتاح على الفاعلين الدوليين الجدد. وبين الفرص والتحديات، يبقى نجاح هذه المبادرة مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على ترجمة المصالح المشتركة إلى تفاهمات عملية، تضع حدًا لدورات التصعيد، وتفتح المجال أمام مقاربات أكثر استدامة للأمن والاستقرار في المنطق
