غزة/ البوابة 24
لم يعد فقدان الأحبة وحده ما يُثقل كاهل الغزيين، بل امتدت الخسارة لتطال حقهم في الحياة ذاتها. فمع تدمير مراكز الإخصاب وأطفال الأنابيب، أُغلِقت أبواب الأمل أمام آلاف الأزواج الذين كانوا ينتظرون فرصةً للإنجاب. وفي لحظة، تحوّلت سنواتٌ من الانتظار والعلاج إلى حلمٍ بعيد المنال، وربما يبدو مستحيلاً، في واقعٍ تُسلب فيه أبسط حقوق الإنسان: أن يكون له طفل.
"نفسي ربنا يعوّضني عن ابني".. بكلمات كلها حُرقة استهلّت رانيا المبحوح حديثها لـ"شبكة نوى"، تراودها أُمنيةٌ تعكس حجم الفقد الذي تعيشه.
هذه الأم فقدت ولدها البِكر براء، في إثر قصفٍ استهدف منزلها. ولم تكتفِ المأساة عند هذا الحد، بل طالت فرصة إنجابها طفل آخر. وبين دموعها التي تروي حكاية الخسارة، تتكاثر الآلام في قلبها، وهذه المرة لحرمانها من أملٍ جديد في الحياة.
الكلمة الأكثر ترديداً ""لا تتوفر"
أرادت أم براء أن تلحق أيَّ بصيص أمل قد يُعيد لها فرصة الإنجاب، لذا توجهت للطبيب المختص لمعرفة إمكانية ذلك، لا سيما أنها بلغت الأربعين، وفي هذا العمر تصبح فرص "الحمل الطبيعي" أصعب. لكن الصدمة الكبرى أعادتها إلى نقطة البداية، حين أخبرها الطبيب أنه لا تتوفر في الوقت الراهن أي عمليات لـ"زراعة طفل أنابيب" في غزة.
تقول: "أجهضتُ ثلاث مرات، وعندما نصحني الطبيب بأخذ إبرٍ مُنشطّة للمبايض، اكتشفت أنها أيضاً غير متوفرة في القطاع المحاصر".
وعلى قارعة الأمل، تواسي السيدة نفسها بأن الله لن ينسى حرقة قلبها على فلذة كبدها، ثم تدير وجهها لتكفكف الدمع وهي تضيف: "أتمنى أن يسمع "الكريم" ندائي ويرزقني بطفل".
حالُ أم براء لا يقل وجعاً عن فاطمة أحمد التي كانت تحمل في أحشائها توأمين، منتظرةً بلهفة أن تحملهما بين أحضانها، بعد خمسة أعوام من الحرمان.
لكن حتى الأجنّة في أرحام الأمهات لم تسلم من صواريخ "إسرائيل" التي لا تأبه لتفتيت "قطع لحمٍ" غضّة، تاركةً لوعةً في قلوب أمهات لن يمحوها الزمان. وهذا ما حدث مع فاطمة التي كانت تعدّ الأيام بالساعات والثواني. وإذ بصاروخٌ يطلق على البيت المجاور يقتل حلمها.
ولا يبدو أنها استفاقت من صدمتها، ومع ذلك، تستجمع قواها لتقول: "في أولى أيامي للحرب كنت حاملاً في الشهر الرابع. ذات صباح قصفت طائرات الاحتلال منزل جارنا بينما كنت أعدّ الفطور، وحينها لم أرَ شيئاً، فقط غبار ودخان ورائحة تخنق المكان".
أمام عينيها، تناثرت أشلاء الشهداء، وفي تلك اللحظات لم تستوعب ماذا يحدث ولم تُبدِ أي ردة فعل. بقي الذعر عالقاً في قلب فاطمة حتى حلَّ المساء الذي لن يغادر ذاكرتها أبدًا. وتمضي في حديثها: "شعرتُ أن شيئاً ما ينزل مني، وفوراً ذهبت لدورة المياه وإذ بدماءٍ تنزفُ بغزارة، ثم تساقطت قطع لحمٍ كبيرة، حينها عرفت أنني أجهضتُ طفليَّ".
في ذلك الوقت، لم تكن هناك سيارات إسعاف بسبب صعوبة الوضع الأمني، تتابع كلامها: "نقلوني بواسطة عربة يجرّها حمار، وصلت المستشفى وكانت تمر بحالة طوارئ ولم أجد سريراً واحداً فارغاً، جلست على كرسي ومكثت قرابة الساعتين أتلّوى وجعاً دون أن يتوقف النزيف، بينما الأطباء منشغلون بإسعاف المصابين من مجازر إسرائيلية حدثت لتوّها".
أُجريت لفاطمة "عملية تنظيفات"، وحين عمَّ الهدوء أجواء غزة، ذهبت للطبيب أملاً في أن تروي ظمأ قلبها بالأمومة، وخاتمة الحكاية: "دون مقدمات، قال الطبيب إنه لا توجد أجهزة طبية لحفظ النُطف والأجنة، ولا أدوية تهيئ الأزواج لـ"الزراعة"، حتى الحقن المتوفرة منتهية الصلاحية".
لا يشعر بالوجع سوى صاحبه، ولعل مشاعرها كانت أصعب من أن تُقال، وجعٌ تختصره في جملتين: "الحزن يملأ فؤادي، والإحساس بالوحدة لا يفارقني".
على بُعد خطوة واحدة
في كل القصص التي رواها أصحابها، يتضح أن الاحتلال حكمَ على آلاف الأزواج بتأجيل أحلامٍ، يُقلّل العمرُ فرصة تحقيقها كلما مرّ، بينما يواصل المحتل تعتيمه على هذا الجانب من المشهد.
أصغينا لساجدة بهار، المرأة التي تنتظر بفارغ الصبر سماح "إسرائيل" إدخال المستلزمات الطبية اللازمة لزراعة "طفل أنابيب"، إذ تخبرنا بقصتها: "عشرون عاماً وأنا أنتظرُ أن يرزقني الله بطفل. قبل "السابع من أكتوبر" أوعزَ الطبيب لزوجي بأخذ إبر ليواظب عليها عدة أشهر؛ استعداداً للزراعة، وأنا أيضاً تابعتُ العلاج بانتظام، وكان المركز الذي نرتاده يضم أجهزة حديثة، والأدوية اللازمة متوفرة. كل شيء كان جاهزاً، ولسوء الحظ صادفت تلك الفترة اندلاع الحرب".
لم يكن يفصلها عن حملها بالحلم غير خطوةٍ واحدة لإتمام عملية الزراعة، إلا أن الأحلام في هذه المدينة قلّما تُبصر النور. لقد أطلقوا رصاصةً على فرصة الأمل الأخيرة لدى ساجدة وزوجها، وبعد أن أُعدمت الخيارات لم يبقَ لهما إلا معجزةً ربانية تؤمن بحدوثها.
ولا تجد وصفاً يشرح ما تمر به إلا هذا: "أصعب شعور في الدنيا، أن تظهر بارقة أمل ثم تختفي فجأة"، وتبوح لنا بشأن ما يؤرقها، حيث سنوات العمر تمضي ما يعني فرص نجاح أقل لعملية "الزراعة"، إضافة إلى الافتقار للأجهزة الطبية والأدوية، كما أنها لم يعد بوسعها المتابعة الطبية لصعوبة الوضع المادي، وفقاً لحديثها.
"ترفاً طبياً" وخطراً ديموغرافياً
بدوره، يؤكد د. محمد جودة استشاري العقم وأطفال الأنابيب لـ "نوى"، أنه منذ بدء الحرب وحتى اللحظة، لم يعد بالإمكان إجراء عمليات "زراعة أطفال الأنابيب" في غزة، بسبب تدمير الاحتلال الإسرائيلي لمراكز الإخصاب كافة.
ولفت د. جودة إلى أن "إسرائيل" تعمدت استهداف جميع الغرف التي وُضعت فيها الأجهزة الطبية اللازمة لحفظ الأجنة، وكذلك المختبرات وغرف العمليات، معقباً: "لا يتوفر حتى جهاز واحد يمكن إصلاحه".
ولا يتوقف الأمر عند ما سبق، بل يرتبط أيضاً بعدم توفر الأدوية والوسائط والمواد المستخدمة في الحضانات لحفظ الأجنة، كل ذلك لا يُسمح بإدخاله منذ اليوم الأول للحرب، كما يقول.
ويذكر أن عمليات الزراعة المعروفة بسعرها الباهظ، تتطلب تدفقاً مستمراً لتلك الأدوية والأدوات، معتبراً أن إدخال المستلزمات الطبية اللازمة لـ"الزراعة" لا يدخل في أولويات "إسرائيل" كونها تراه "ترفاً طبياً" وخطراً ديموغرافياً عليها، حسب رأيه.
ولإعادة تأهيل مراكز الإخصاب وأطفال الأنابيب، يشدد على ضرورة إدخال جميع المعدّات اللازمة لذلك.
إذن، المشهد بالمختصر: حُلم الإنجاب وُؤِد ونقطةٌ آخر السطر. هنا، لا تُقصف المباني فقط، بل تُستهدف أيضاً أكثر الأحلام إنسانيةً وبساطة. وبين ركام المراكز الطبية والأرحام الفارغة، يقف آلاف الأزواج على حافة انتظارٍ طويل، تتآكل فيه الفرص بمرور الوقت. وحتى إشعارٍ آخر، يبقى الأمل معلّقاً بإرادةٍ دولية تُعيد ما دمرّته الحرب، وتمنح هؤلاء حقهم الطبيعي في الحياة، في أن يصبحوا آباءً وأمهات.
