بقلم: وجدان شتيوي
صدر للشّاعر والأديب عبد السّلام العطاري كتاب شيء يذكّرني بي عن الدّار الأهليّة للنّشر والتّوزيع. في البدء، إنّ مَن يرى العنوان يشعر وكأنّه ناقوس يدقّ أعماق ذاكرته، ومن منّا لم يشعر حينًا على الأقلّ أنّه نسي ذاته في خضّم الحياة، أو أنّه ينظر في مرآة واقعه فيرى صورة لا تشبهه، فيسارع لينقّب في ذاكرته عمّا يذكّره بنفسه، بنسختها الأولى النّقيّة الصّافية الحالمة. وهذا ما فعله الأستاذ عبد السّلام العطاري فقد حلّقنا معه في نصوصه التي تأرجحت ما بين القصّة، والسّيرة الذّاتية، وتوثيق التّاريخ إلى مسقط رأسه عرّابة، وإلى رام الله، والقدس، ودورا. إلى حكايات الجدّات كالشّاطر حسن وجبينة. إلى مواسم الزّيتون، والدّكاكين القديمة، والباعة المتجوّلين. أمّا الغلاف: تراه يزدان بخطوط عشوائيّة، لكنّها جميلة، تشبه رسوم الأطفال الحالمة. خطوط مبعثرة، لكنّها بألوانها الحيويّة ناطقة من كلّ زاوية. قد تراها تشبه ألعاب "بيت بيوت"، بخطوطها المتماسكة بعفويّة، أو تشبه الطّائرات الورقيّة بألوانها الجذّابة، تجوب سماء تحلم بالحريّة. حيثما أدرت وجهك في النّصوص طوّقك الحنين، فقد كان المشهد الطّاغي، بدءا من المقدّمة التي بدأت في البحث بين الرّكام عن دمية قديمة، وضحكة من القلب، وفطور تحت توتة الدّار. كان الكاتب يحنّ لطفولته بكلّ ما فيها، حتّى تلك الأشياء التي كان يكرهها. وكان الحنين كثيرًا ما يأخذه لبداية وجوده، وصرخته البكر في أيلول، مستذكرًا حتّى مخاض أمّه، ونداءات الدّاية، وصوت الجارات. أيلول و الرّمان تلازم ذكرهما كثيرًا، فذاكرة الزّمان لا تخونها النّكهة، وكأنّ الكاتب يستعيد ذاكرته الأولى مع كلّ أيلول، وموسم رمّان، أو مع كلّ حبّة يراها من قريب أو بعيد. ويشرّع بوّابة ذاكرته على مصراعيها مستذكرًا أدّق تفاصيل الطّفولة بما فيها "يمّا شو طابخة؟" التي يسألها فور دخوله البيت ...ويختم هذا النّص متعجّبًا"يا آذار الامّهات كم تتعبنا، نحن الجوعى لهذا النّداء!" ثمّ ينتقل لشهر نيسان مستذكرًا بذلك الثّورة الكبرى، ويربطه بزهر الرّمان أيضًا، وكأنّ الرّمان غدا بالنّسبة له تقويمًا ومرجعًا. كما يستذكر فرحته بهذا الشّهر بالبيض المسلوق الملّون بقشر البصل، والبسباس الأصفر الذي كانت توزّعه العمّات. أوغل الكاتب في وصف نهار بلدته بصباحاتها وظهيرتها، ومسائها، وليلها، وربيعها، وشتائها وصيفها، وكأنّه يقول: ما زلت أحيا بتلك الذّاكرة الأولى. لغة النّصوص كانت متفاوتة، منها ما هو بسيط تحسّ معه بلغة الطّفولة العذبة السّهلة مثل: بيت إعمر، ويوم "النّزلة "على المدينة، ومنها ما هو من العمق بما لا تتّسع لفهمه ذاكرة واحدة: كبقجة العمر، والطّفرة، وسفر الحجارة. كما كان في تكرار مصطلح "راحة البال"، توق وحنين لتلك الرّاحة التي وجدها الكاتب في سهول بلدته عرّابة وما فيها من خيرات كاللّوز والتّين والزّعتر، وفي تلالها، وطرقاتها الضّيّقة، وألعاب الطّابة وبيت بيوت، والمواويل، وكلّ ما كان في ذاك الزّمن الجميل الذي قارن بينه وبينه هذا الزّمن: "يوم كان الفرح بالمجان، بلا ثمن نخاطب بعضنا، ننفي قيم اقتصاد السّوق بالعلاقات، ونكسر ميزانه التّجاري، القيمة بالقيمة....يوم كنّا بلا مناسك، وفروضنا محبّة لا تنتظر إلا من يقطفها، ويزرعها في حدائق العمر." كما قارن بين الهواتف الذّكيّة هذه الأيّام، وبين ما كان بمثابة الهواتف الذّكيّة في العهد القديم من سهرات وجلسات تضمّ العائلة والأحبّة، إذ قال عنها أنّها تنعش الوقت لا تقتله. وفي أعماق الكاتب رفض جليّ للعمر، وحالة من عدم الاقتناع بعدّاد الزّمن الذي مرّ عليه، دون أن يمرّ فيه ؛ فهو لم ينل من ذاكرة طفولته كما في نص "فتى أيلول: "محاولة إثر محاولة لاسترضاء الذّات، هي الذّات التي أحاول ترويضها، كي أرضى أو أرضي لغتي كلّما عبرت أيلول بعمر يزداد فيه الشّيب، وتزداد به حالة الطّفولة وشقاوتها، وهي تمضي تسند الشّيخ في قامتي. كما جاء أيضًا في نصّ "ميلاد عتيق": في العشرين من أيلول، أجادل نفسي بالعمر الذي أجدّله بسنابل الحقول. لم يقف العطاري عند تفاصيل الأماكن فحسب، فقد كان هناك ذكر لكثير من الأشخاص، وكأنّهم من معالم طفولته الثّابتة، التي ظلّ وفيًّا لها، فخلّدها في كتابه. ولم يكتب من باب الحنين للطّفولة فقط، إنّما حفظًا للتّاريخ بكلّ حذافيره، كما بدا في قوله: "منذ النّكبة ونحن نولد كلّ يوم، كي نحفظ دروب العودة، ونكتب للأجيال التي لن تنسى، وإن مات الكبار، أنّ واد النّسناس، و....ليست مجرّد أسماء، ولا مجرّد أماكن كانت في الذّاكرة، وإنّما هي الحلم الذي يتنزّل كلّ نوم علينا، ونحن نشدّ الوعي على خاصرة الوجع". زخرت النّصوص بالتّناصات القرآنية الجميلة كما في: "والوالدات يرضعننا إذا جفّت حلوقُنا....يا بن أمّي، والأمّهات ولّادات دون حمل، إذ يمسسهنّ روح الضوء، فنصير أشقاء من غير سوء، هذا كتابي، فخذه بيمينك....فالسّلام على راحة البال، السّلام عليها، على كلّها أينما كانت...وما ذهب الزّبد جفاء...قاب ليلةٍ أو أدنى...هذي بلادي تحدّث أخبارها". إضافة للصّور الجميلة مثل: "ونمضي معا نتوكّأ منسأة اللّوز"، "كلّها تحوم في ظلّ صوامع القمح"، "نهر السّنين العجاف الجائعات"، "لأغمس الزّيت من عين الحنين"، "سوف أمرّ على وسائد النّدى"، "الحياة تفاحة العتمة"، "نمسح وجوهنا بمنديل اللّعنات". شيء يذكّرني بي هو كتلة نصوص ثريّة بالشّعور، معبّقة بالحنين، مفعمة بالذّكريات السّرمديّة.
