تدخل المرحلة الثانية من اتفاق غزة اختبارًا حاسمًا، في ظل استمرار الخلاف حول ترتيب الخطوات المقبلة، وخاصة العلاقة بين نزع سلاح حركة حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع. وبينما يرى جانب أن التخلص من السلاح يمثل الشرط الأساسي للانتقال إلى المرحلة التالية، يعتبر آخرون أن هذا الملف قد يتحول إلى وسيلة لتأخير تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.
نزع السلاح شرط أساسي أم ورقة للمماطلة؟
تباينت قراءات خبراء تحدثوا عن مسار الاتفاق، إذ يرى الخبير في الشؤون الإسرائيلية نائل الزعبي أن جوهر الأزمة الحالية يعود إلى ضرورة إنهاء القدرات العسكرية لحماس قبل تحقيق تقدم فعلي في غزة، وأوضح الزعبي أن تنفيذ هذا البند لا يتوقف عند إعلان الموافقة، وإنما يحتاج إلى خطوات متتابعة تبدأ بإقرار واضح، ثم تنفيذ عملية تفكيك السلاح، وأخيرًا وجود آلية رقابة للتأكد من الالتزام.
وبحسب رؤيته، فإن إسرائيل ليست لديها رغبة في البقاء داخل القطاع على المدى الطويل، وبالتالي فإن تنفيذ ترتيبات نزع السلاح بالشكل المطلوب يمكن أن يمهد للانسحاب.
في المقابل، يرى الباحث السياسي منير الجاغوب أن حماس أبدت أمام المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر استعدادًا للمضي في ترتيبات تتعلق بالسلاح، وأن وجود وسطاء من تركيا وقطر وأطراف أخرى يجعل التهرب من تنفيذ التفاهمات أمرًا أكثر صعوبة.
الانتخابات الإسرائيلية تدخل على خط غزة
ويربط الجاغوب جانبًا مهمًا من موقف نتنياهو بالاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية داخل حزب الليكود واختيار مرشحيه لانتخابات الكنيست.
ويرى أن أي خطوة باتجاه الانسحاب من قطاع غزة أو التراجع إلى ما وراء "الخط الأصفر" قد تفرض تكلفة سياسية كبيرة على نتنياهو، وهو ما يجعل مواقفه من ملف غزة والسلاح والانسحاب مرتبطة بدرجة كبيرة بحساباته الانتخابية، كما أشار إلى أن تطورات أخرى على الساحة الدولية، من بينها الانتخابات الأمريكية والتوتر بين واشنطن وطهران والحرب في أوكرانيا، تؤثر على مستوى الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية.
اجتماع كوشنر يكشف تباينًا في التفسيرات
وبحسب الجاغوب، فإن الاجتماع الذي جمع الأطراف المعنية واستمر لساعات حمل تطورًا مهمًا، تمثل في إبداء حماس موافقة على الترتيبات المتعلقة بالسلاح، بما في ذلك تسليمه وعدم تخزينه.
لكن الزعبي يرى أن اختزال الموقف الإسرائيلي في الحسابات الانتخابية لا يعكس كامل الصورة، مشيرًا إلى مشاركة مسؤولين أمنيين إسرائيليين في الاجتماع مع كوشنر، ويطرح الزعبي تساؤلًا حول مدى استعداد أي رئيس حكومة إسرائيلي محتمل، بغض النظر عن انتمائه السياسي، للسماح بعودة حماس إلى المشهد السياسي أو الأمني في غزة.
هل يريد نتنياهو البقاء في القطاع؟
ويرى الجاغوب أن الخلاف لا يتعلق فقط بمصير السلاح، وإنما بما يريده نتنياهو من مستقبل قطاع غزة. ووفق تقديره، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يسعى إلى تنفيذ انسحاب كامل، بل قد يتجه إلى خيارات تتضمن إعادة الاستيطان أو دفع الفلسطينيين إلى مغادرة القطاع.

ويعتقد أن نتنياهو قد يواصل رفض الاتفاق حتى في حال وافقت حماس على تسليم أسلحتها إلى الجهة التي ستشرف على تنفيذ الترتيبات الجديدة، كما يرى أن إبقاء ملف السلاح في مقدمة النقاش يمنح الحكومة الإسرائيلية مساحة للمماطلة وتأجيل القرارات المرتبطة بالانسحاب، خاصة إلى حين انتهاء الاستحقاقات الانتخابية.
ملف المستوطنين يثير تساؤلات حول قدرة واشنطن
وتطرق الجاغوب أيضًا إلى استمرار تحركات المستوطنين، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات حول مدى قدرة الإدارة الأمريكية على ممارسة ضغط فعلي على الحكومة الإسرائيلية، واستشهد بحوادث مرتبطة بتحركات المستوطنين، لطرح تساؤل بشأن قدرة واشنطن على فرض التزاماتها على تل أبيب، خصوصًا في الملفات التي تتعلق بالانسحاب وإعادة الانتشار.
ويرى كذلك أن نشر قوات الاستقرار في مناطق تقع حاليًا تحت السيطرة الإسرائيلية سيكون مؤشرًا على بدء تقليص الوجود الإسرائيلي في القطاع، وهو ما يعتقد أن نتنياهو قد يحاول عرقلته.
الزعبي: إسرائيل لا تسعى للبقاء في غزة
على الجانب الآخر، يتمسك الزعبي برؤية مختلفة، مؤكدًا أن إسرائيل لا تريد الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية أو الإدارية على قطاع غزة، وأن هدفها الأساسي من المطالبة بنزع السلاح هو إنهاء القدرات العسكرية لحماس وليس استهداف سكان القطاع.
وأشار إلى أن إسرائيل، وفق تقديره، لا تمانع في إعادة إعمار غزة أو إصلاح بنيتها التحتية والمنشآت التعليمية، لكنها تريد إزالة ما تعتبره تهديدًا أمنيًا ناتجًا عن استمرار وجود السلاح لدى الحركة.
ويرى أن أحداث السابع من أكتوبر لا تزال تؤثر بصورة كبيرة على الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وأن إنهاء القدرات العسكرية لحماس يمثل بالنسبة لتل أبيب عنصرًا أساسيًا في أي تسوية مستقبلية.
غياب جدول زمني واضح يعقد المشهد
ويطالب الزعبي حماس بتقديم إعلان واضح بشأن تفكيك قدراتها العسكرية ووضع آلية تنفيذية وجدول زمني محدد لذلك، معتبرًا أن هذه الخطوة لم تتحقق بصورة واضحة حتى الآن، كما يرفض تفسير المسار الحالي باعتباره مجرد محاولة لكسب الوقت، ويرى أن الخطط المطروحة، سواء جاءت في صورة 12 بندًا أو 15 بندًا، تظل قابلة للتطوير، وأن الحسم الحقيقي سيكون من خلال الانتقال من التصريحات والتعهدات إلى إجراءات ميدانية ملموسة.
غزة أمام اختبار التنفيذ
في المقابل، يشير الجاغوب إلى أن السيطرة الميدانية على القطاع أصبحت موزعة بصورة كبيرة، معتبرًا أن حماس لم تعد تسيطر إلا على جزء محدود من غزة مقابل مساحة أكبر تخضع للسيطرة الإسرائيلية، متسائلًا عن أسباب استمرار التركيز على المناطق التي توجد فيها الحركة.
وبينما يصر الجانب الإسرائيلي، وفق رؤية الزعبي، على أن نزع السلاح يمثل البوابة الأساسية لتنفيذ الاتفاق، يرى الجاغوب أن الملف قد يستخدم لتأخير الانسحاب وإعادة ترتيب الحسابات السياسية.
وفي النهاية، تبدو المرحلة الثانية من اتفاق غزة معلقة بين التعهدات والتنفيذ، إذ يتوقف نجاحها على حسم ثلاث قضايا مترابطة: مصير سلاح حماس، ومدى الالتزام بالانسحاب الإسرائيلي، وشكل الوجود الإسرائيلي المستقبلي داخل القطاع.
