نحو مراجعة نقدية للفكر والأداء السياسي الفلسطيني

بقلم أ. د. خالد محمد صافي

تقف القضية الفلسطينية على مفترق طرق، فإما الاستمرار في حالة الانقسام والتيه والانهزام أم الاتجاه نحو مراجعة نقدية للفكر والأداء السياسي يخرج القضية من هذه الحالة من الضعف والتراجع والتدهور. بقراءة نقدية للواقع بعيدا عن الشعاراتية والتصريحات الجوفاء وأوهام النصر نجد أن القضية تعيش أشد فتراتها تيها وحضيضا سواء على صعيد الفكر أو الممارسة. فقد انقسم الوطن إلى قسمين، قسم يعاني من شيخوخة في الفكر السياسي، حيث تم تحجر الأداء في مشروع سياسي متعثر تم تحويل السلطة فيه إلى سلطة ضعيفة تكاد أن تكون وظيفية تستجدي بقائها من محتل غاصب ضرب بكل الاتفاقيات سواء أوسلو أو القاهرة بعرض الحائط، وقوض السلطة الفلسطينية حتى في المناطق أ التي يفترض أن تمارس السلطة فيها سلطات مدنية وإدارية وأمنية كبيرة. فأصبحت السلطة في ممارستها أقل من سلطة بلدية، أي فقط سلطة خدمات مياه ونظافة. وتم التغول في مناطق ب، و ج على نحو سافر. فإسرائيل تمارس سلطتها الأمنية في جميع المناطق الآن أ، ب، ج. وتضخم الاستيطان الصهيوني بشكل كبير في مناطق ج، وأصبح يغزو مناطق ب، وحتى أ مما يناقض كل الاتفاقيات الموقعة. واكتفت السلطة التي تقف وراءها حركة فتح باعتبارها حزب السلطة في الضفة الغربية بالمقاومة السلمية التي أصبحت موسمية، وقد تديرها بعض المؤسسات غير الحكومية. وبالرغم من تبني حركة فتح في مؤتمراتها سياسية المقاومة السلمية لكنها لم تمارس على أرض الواقع وفق عقيدة وطنية.
ففتح اكتفت بالتموضع حول مشروع سياسي متعثر وقد لا نجافي الحقيقة إن قلنا إنه فاشل في ضوء الواقع الإسرائيلي اليميني المتطرف، وتتابع حكومات يمينية بقيادة بنيامين نتنياهو الذي قوض كل صلاحيات السلطة، ووجه لها ضربات متتالية لاسيما في الأمور المالية من خلال وقف تحويل المقاصة والاقتطاعات الكبيرة منها. وانهى تقريبا كل تطور في الأفق السياسي، من إمكانية تحول السلطة إلى دولة أو حتى إقامة دولة فلسطينية على حدود 1967م. وبالتالي ضرب بحل الدولتين الحائط. وتم تحويل السلطة إلى سلطة هزيلة ضعيفة اقرب إلى السلطة الوظيفية منها إلى السلطة الوطنية. ويقف على رأس هذه السلطة شخصيات أصابتها الشيخوخة الزمنية والسياسية بحيث لم تعد هذه الشخصيات قادرة على التطور والتغيير السياسي في الرؤى والبرامج. فمنها شخصيات مرتبطة فقط بامتيازاتها الشخصية والعائلية وتخشى التغيير حتى لا تفقد مكانتها وامتيازاتها. شخصيات يتفشى الفساد المالي والإداري والسياسي في أدائها. وتتجه إلى توريث أبنائها الامتيازات المالية والسياسية في وظائف السلطة وفي سفاراتها. وقيادات أخرى أصبحت مرتبطة بالاحتلال الاسرائيلي  أو أجهزة أمنية لدول عربية وإسلامية.
ولم تعد فتح حركة تحرر وطني لها رؤيتها وبرنامجها السياسي وقياداتها الوطنية بل حركة امتيازات سياسية ومالية وإدارية من قيادات أصابها الهرم الفكري والسياسي. وتعاني من ترهل في بناها التنظيمية، وفجوات كبيرة بين قياداتها التنظيمية سواء اللجنة المركزية أو المجلس الثوري أو الأقاليم والشعب التنظيمية. وأصبح البعض ينظر لها على أنها حركة تاريخية جافة الشرايين والعروق، ولم تعد نابضة بالحس أو العقيدة الوطنية.
ويبقى التساؤل قائما حول إمكانية إصلاح الحركة، وإعادة بث النبض والحياة في عروقها وشرايينها. وأن تبقى رافعة للمشروع الوطني وليس حركة تاريخية تشكل عبء على القضية والشعب الفلسطيني. وحركة تتقوقع حول امتيازات قيادة تنظر للمشروع الوطني كأرث عائلي ومكاسب شخصية. 
وفي المقابل يعاني قطاع غزة من حرب إبادة أصابت البشر والحجر والشجر في مقتل. ونزع قطاع غزة من مشروعه الوطني وتحويله إلى قضية إغاثية إنسانية وليس قضية شعب ومسيرة تحرر وتقرير مصيره. فإن حركة حما.   س من خلال مغامرتها العسكرية غير المحسوبة والتي كانت أكبر من إمكانيات حركة وقيادة، وقاومت الاحتلال وفق منطق دولة في مقابل دولة وجيش في مقابل جيش وكأنها حرب نظامية وهو ما تتقنها دولة الاحتلال وأثبتت تفوقها فيها عبر حروب عدة مما عرض الشعب الفلسطيني في غزة إلى قوة نيران فتاكة بأحدث الأسلحة مما عرض الشعب للإبادة وعرض قطاع غزة للدمار شبه الكامل وأعاده للوراء عقود كثيرة. وتم وضعه تحت وصاية دولية ومجلس وصاية، ومتاهات سياسية. وهذا يتطلب مراجعة نقدية للأسف لم تتم من قبل حركة حما.  س. فمن اطلع على وثيقتي الحركة بخصوص الحرب يرى أنهما وثيقتين لا تمتان للواقع بصلة، وأنها أقرب للقراءة الديماغوجية الشعاراتية، والتفسيرات والتأويلات الدينية الغيبية. ويبدو جليا من الوثيقتين وتصريحات القادة أن الحركة لم تقم بمراجعة نقدية لفكرها السياسي وأدائها. وأن الحركة لا تزال تدور في فلك المشروع الإسلامي أكثر من التمحور والتمركز على على المشروع الوطني كحركة تحرر وطني فلسطيني. إذ بدأ جليا من خلال مشروع الحركة المغامر أنها كانت تعتمد على تحالفات مع محور المقاومة سواء يتعلق الأمر بوحدة الساحات، أو بتنسيق وتعاون الساحات، وهذا أدخل القضية والشعب في متاهات وتجاذبات  إقليمية وإسلامية. وبدا الأمر وكأن الشعب الفلسطيني وقضيته قد وظفوا في مشاريع إقليمية إيرانية. وأبرز الحركة في غزة كأنها ذراع لمشاريع إقليمية أكثر من كونها حركة تحرر وطني فلسطيني. ومن هنا غامرت الحركة بالشعب والقضية والمشروع الوطني. وبرز التناقض هنا بين قيادة هرمة في الضفة الغربية  ضعيفة حتى الانبطاح والاستسلام لواقع المحتل، وبدت الحكمة في فكرها وادائها حتى الجبن والضعف والخوف، وبين قيادة شابة شابة في قطاع غزة بدأ جليا مدى جرأتها وتهورها ومغامرتها بواقع الشعب ومستقبله. وبين الجبن والتهور عاني شعبنا في كلا جانبي الوطن. عانى هناك من حواجز الاحتلال وعربدة مليشيات مستوطنيه، وتوسع الاستيطان بشكل جنوني، وحصار مالي خانق. وعانى في قطاع غزة من حرب إبادة أتت على الأخضر واليابس، وحولت الشعب إلى يتامى وثكالي ومصابين ونازخين وتائهين وباحثين عن منفذ للفرار واللجوء، وتقوضت كل إمكانيات الصمود، ومليشيات مرتبطة بالاحتلال تحاصره وتهاجمه، وتجعل الباب مفتوحا لصراعات دموية داخلية إلى جانب حرب الإبادة المستمرة من الاحتلال الذي يحتل أكثر من نصف القطاع ويدمره، ويلاحق ويكمل تدمير النصف الأخر. 
ووفق ما سبق فإن حركة فتح مطالبة بمراجعة نقدية تقديمية في مؤتمرها الثامن القادم. فإما أن يكون مؤتمرا يحمل رؤية نقدية تجديدية تعمل على النهوض بالحركة فكرا وممارسة وإما أن يكون المؤتمر مجرد تكريس لواقع ضعيف هزيل، وقيادات تبحث عن بقاء امتيازاتها، ويكون مجرد رقم في مؤتمرات الحركة، ليس أكثر من مهرجان أو تظاهرة سياسية إعلامية فقط. 
وإما حركة حما.س فإن عليها القيام بمراجعة نقدية تقييمية، تعترف فيها بمألات الواقع، وتعيد تقييم الأداء والتجربة بعيد عن الشعاراتية وأوهام النصر، وتعيد للقضية مركزيتها الوطنية بعيدا عن التجاذبات الإقليمية والمشاريع الإسلامية الوهمية. وتنتخب قيادة ذات حكمة تخرج الشعب والقضية من بؤس الواقع ومتاهات المستقبل.
فلابد من إنهاء الانقسام والتوافق على إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها بيت الكل الفلسطيني، ووضع رؤية سياسية فلسطينية وطنية ينبثق عنها برنامج سياسي يجمع بين المقاومة والمفاوضة وفق إمكانيات الواقع بين التكتيك والإستراتيجية.

غزة
25/4/2026

البوابة 24