بقلم محمد قاروط أبو رحمة
عضو المجلس الاستشاري عضو مجلس إدارة أكاديمية فتح الفكرية
يُمثل مفهوم "خفض التوقعات" استراتيجية نفسية وسياسية تهدف إلى تقليل الفجوة بين المأمول والواقع، ليس من باب التخلي عن الطموح، بل كعملية "إعادة معايرة" لإدراك أن الواقع لا يتحرك دائماً وفق الرغبات المثالية. وفي سياق المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، تتحول هذه الاستراتيجية إلى "هندسة دقيقة" لإدارة المرحلة وحماية البناء التنظيمي من صدمات الوعود الكبرى.
مفهوم الهندسة التنظيمية:
تعتمد هندسة التوقعات في المؤتمر الثامن على الانتقال من "منطق الأماني" إلى "منطق الممكن". فبدلاً من رفع سقف التوقعات بحدوث تغيير جذري شامل قد يصطدم بتعقيدات الميدان، يتم التركيز على تجديد الشرعيات والحفاظ على وحدة الحركة. هذا التوازن يحمي الكادر الفتحاوي من الإحباط، ويمنح القيادة المنتخبة مرونة للمناورة دون ضغوط شعبية ناتجة عن توقعات غير واقعية.
الأهمية والقيمة المضافة:
تكمن أهمية هذا النهج في تحقيق "السكينة التنظيمية"؛ فعندما تُهندس التوقعات بحيث يكون الهدف الأساسي هو تحصين الجبهة الداخلية وضخ دماء جديدة بنسب مدروسة، يتحول مجرد انعقاد المؤتمر في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة من *"حدث إجرائي" إلى "انتصار سياسي وبنيوي".*
إن القيمة الحقيقية لخفض التوقعات في هذا النموذج تظهر في تحويل *"المكاسب الصغيرة" إلى "نجاحات مضاعفة"*. فعندما يذهب المشاركون بوعي يدرك حجم التحديات، فإن أي توافق على برنامج سياسي محدث أو نجاح في فرز كفاءات شابة يُعتبر )"مفاجأة إيجابية"* تعزز الثقة بالحركة، بدلاً من النظر إليها كقصور عن بلوغ المثالية.
الخلاصة:
إن هندسة التوقعات في المؤتمر الثامن هي فن *"التخفف"* من أعباء الانتظار الثقيلة، لضمان خروج حركة فتح بصورة متماسكة وقادرة على القفز نحو المستقبل بمرونة، محولةً واقعية النتائج إلى قوة دافعة للاستمرار والثبات
الخاتمة:
نحو وعي تنظيمي مرن
إن نجاح المؤتمر العام الثامن لا يُقاس فقط بحجم القرارات التي ستصدر عنه، بل بمدى قدرته على صياغة عقد جديد من الواقعية بين القيادة والقاعدة. إن "هندسة التوقعات" ليست دعوة للتراجع، بل هي استجماع للقوى وتوجيه للبوصلة نحو الأهداف الممكنة التي تضمن بقاء الحركة كعمود فقري للمشروع الوطني. فالحركة التي تفهم حدود واقعها هي الأقدر على تغييره بذكاء وهدوء.
وصايا للمشاركين والمهتمين بالمؤتمر:
١. غلّبوا "الاستمرارية" على "الطفرة":
انظروا إلى المؤتمر كحلقة في سلسلة متصلة، وليس كنهاية للتاريخ أو بداية معزولة؛ الاستقرار في الظروف الصعبة هو بحد ذاته إنجاز استراتيجي.
٢. استثمروا في "الممكن" السياسي:
ركزوا على البرامج التي يمكن تنفيذها على الأرض بدلاً من الشعارات التي قد ترفع سقف التوقعات الشعبية ثم تصطدم بالجدران المسدودة.
٣. اجعلوا "وحدة الصف" معيار النجاح الأول:
ليكن التوقع الأساسي من المؤتمر هو الخروج ببيت فتحاوي موحد؛ فكل المكاسب التنظيمية تفقد قيمتها إذا لم يصحبها تماسك داخلي.
٤. احتفوا بالمكاسب الصغيرة:
اعتبروا ضخ دماء جديدة أو تحديث لائحة داخلية "مكسباً نوعياً" يعزز حيوية الحركة، ولا تقللوا من شأن الإنجازات التدريجية.
٥. افصلوا بين "الطموح الشخصي" و"المصلحة الحركية والوطنية": هندسة التوقعات الشخصية تمنع خيبات الأمل الفردية من أن تتحول إلى أزمات تنظيمية عامة.
والله الموفق ومن وراء القصد
