بقلم: د. منى أبو حمدية
أكاديمية وباحثة
غزة بالنسبة لحركة فتح ليست مجرد بقعة جغرافية منكوبة بالحرب، ولا ملفاً إغاثياً يُضاف إلى جدول النقاشات الثقيلة في المؤتمر الثامن؛ فغزة، في الوعي الفتحاوي، تمثل إحدى أكثر الساحات تعبيراً عن مأساة المشروع الوطني الفلسطيني، وعن حجم الاستهداف الذي تعرضت له الهوية السياسية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة. ولهذا فإن أي مؤتمر لحركة فتح لا يضع غزة في قلب رؤيته الفكرية والتنظيمية والسياسية، إنما يبتعد عن جوهر القضية الفلسطينية نفسها.
غزة اليوم ليست فقط مدينة تحت الحصار، بل وطن تحت الاختبار.
هناك محاولة ممنهجة لتحويل القطاع من قضية تحرر وطني إلى أزمة إنسانية دائمة، ومن جزء أصيل من الجغرافيا السياسية الفلسطينية إلى “كيان معزول” يُدار بمنطق “الاحتواء الأمني” أو “الإغاثة الدولية”. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة التي تواجهها حركة فتح في مؤتمرها الثامن؛ إذ لم يعد مطلوباً منها فقط الدفاع عن غزة، بل الدفاع عن معنى غزة في المشروع الوطني الفلسطيني.
لقد دفعت غزة أثماناً باهظة؛ حرباً ودماراً وتجويعاً واستنزافاً للبنية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية، لكن الأخطر من كل ذلك كان استنزاف الفكرة الوطنية الجامعة، ومحاولة تكريس الانقسام بوصفه واقعاً دائماً.
ومن هنا فإن فتح، بوصفها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تجد نفسها أمام مسؤولية تاريخية لإعادة تعريف العلاقة مع غزة، ليس باعتبارها “ملف مصالحة” فقط، بل باعتبارها معركة استعادة للوحدة السياسية الفلسطينية وللهوية الوطنية الجامعة.
إن الفكر الفتحاوي تاريخياً لم يقم على فكرة “الكانتونات” ولا على إدارة الانقسام، بل على وحدة الأرض والشعب والقرار السياسي. وفي هذا الإطار، أضافت التجربة السياسية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة بُعداً آخر لهذا التمسك الوطني بغزة، تمثل في موقف الرئيس "محمود عباس" الثابت تجاه القطاع، باعتباره جزءاً لا ينفصل عن الجغرافيا الفلسطينية وعن المشروع الوطني الجامع. فرغم كل الضغوط السياسية ومحاولات تكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية، بقي الخطاب الرسمي الفلسطيني يؤكد أن غزة ليست عبئاً سياسياً ولا ملفاً إنسانياً منفصلاً، بل ركيزة أساسية في معادلة الدولة الفلسطينية المنشودة. وقد تمسك السيد الرئيس بمسؤولياته الوطنية تجاه أبناء شعبنا في القطاع، سواء من خلال التأكيد المستمر على وحدة المؤسسات والقرار السياسي، أو عبر رفض أي مشاريع تهدف إلى فصل غزة عن الشرعية الفلسطينية أو تحويلها إلى كيان مستقل خارج إطار الهوية الوطنية الجامعة. وهذا الموقف لا يُقرأ فقط بوصفه موقفاً سياسياً، بل بوصفه دفاعاً عن فكرة فلسطين نفسها؛ فلسطين الواحدة التي لا تكتمل دون غزة، ولا تستقيم دون وحدة شعبها وأرضها ومؤسساتها.
ولذلك فإن أي رؤية فتحاوية حقيقية تجاه غزة يجب أن تنطلق من رفض تحويل القطاع إلى كيان سياسي منفصل، أو إلى ورقة تفاوض إقليمية، أو إلى ساحة تصفية حسابات دولية. غزة ليست بديلاً عن فلسطين، وليست مشروعاً قائماً بذاته، بل جزء عضوي من الدولة الفلسطينية المنشودة وعاصمتها القدس.
وفي هذا السياق، فإن المؤتمر الثامن لحركة فتح مطالب بإنتاج خطاب جديد تجاه غزة؛ خطاب يتجاوز اللغة التقليدية والشعارات العامة، ويتجه نحو مراجعة سياسية وتنظيمية عميقة.
فالمطلوب اليوم ليس فقط الحديث عن إعادة الإعمار، بل عن إعادة بناء الثقة الوطنية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات الفلسطينية الجامعة، واستعادة حضور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
إن غزة بحاجة إلى مشروع وطني لا إلى إدارة أزمة، وبحاجة إلى رؤية تحمي الإنسان الفلسطيني من الجوع والتهجير والانهيار النفسي والاجتماعي، وفي الوقت ذاته تحافظ على البعد السياسي للقضية الفلسطينية. فهناك محاولات دولية وإقليمية لدفع الفلسطيني نحو الاكتفاء بالمطالب الإنسانية والابتعاد عن حقوقه السياسية والتاريخية، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يتحول من صاحب قضية إلى مجرد متلقٍ للمساعدات.
ومن هنا فإن حركة فتح أمام امتحان فكري وأخلاقي كبير؛ هل تستطيع إعادة إنتاج خطاب وطني جامع قادر على احتواء الألم الفلسطيني في غزة؟ وهل تستطيع استعادة ثقة الشارع الفلسطيني الذي أنهكته الانقسامات والصراعات الداخلية؟
فالناس في غزة لم تعد تبحث فقط عن الشعارات، بل عن مشروع قادر على حماية الكرامة الوطنية والإنسانية معاً.
كما أن المؤتمر الثامن يجب أن يتعامل مع غزة بوصفها قضية أمن قومي فلسطيني، لا مجرد ملف تنظيمي. فاستمرار الانهيار في القطاع يعني فتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ومزيد من مشاريع إعادة تشكيل الوعي الفلسطيني وفق أجندات لا تخدم المشروع الوطني. ولذلك فإن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والوحدة والديمقراطية لم تعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية.
أما على المستوى التنظيمي، فإن فتح مطالبة بإعادة تفعيل حضورها الشعبي في غزة، عبر خطاب قريب من الناس، وبرامج حقيقية تعالج هموم الشباب والنساء والأسر الفقيرة والجرحى والأسرى وعائلات الشهداء. فالحركة التي صنعت تاريخاً طويلاً من النضال لا يمكن أن تبقى أسيرة اللغة القديمة أو الأدوات التقليدية، بينما يعيش الفلسطيني تحولات اجتماعية وسياسية عميقة.
غزة اليوم تحتاج إلى فتح القوية؛ فتح الفكرة الوطنية الكبرى، فتح التي تؤمن أن فلسطين أكبر من الفصائل، وأن الوحدة الوطنية ليست خياراً تكتيكياً بل شرط بقاء.
وفي لحظة تبدو فيها المنطقة كلها قابلة لإعادة التشكل، يصبح المؤتمر الثامن لحركة فتح فرصة تاريخية لإعادة صياغة البوصلة الوطنية الفلسطينية. فإما أن تستعيد الحركة دورها بوصفها حاملة للمشروع الوطني الجامع، وإما أن تترك الفراغ مفتوحاً أمام مشاريع التفتيت والانهيار.
غزة ليست هامشاً في المؤتمر الثامن!
إنها السؤال الأصعب، والامتحان الأعمق، والمرآة التي ستكشف قدرة حركة فتح على تجديد ذاتها، واستعادة روحها الأولى، والعودة إلى فلسطين بوصفها قضية تحرر وطني لا قضية إدارة أزمات.
