حرية الصحافة في فلسطين.. الحقيقة تحت النار

بقلم د. ميرفت أبو جامع - باحثة إعلامية 

في زمن يُفترض أنه الأكثر انفتاحًا من حيث تدفّق المعلومات وسرعة انتشارها، وحيث يُنتظر أن تزدهر الحقيقة وتتسع مساحة الحرية الإعلامية، تبدو حرية الصحافة وكأنها تعيش مرحلة انكماش تاريخية غير مسبوقة. فبحسب تصنيف حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، لم يعد الحديث يدور عن تراجع تدريجي، بل عن تدهور واسع جعل أكثر من نصف دول العالم تقع ضمن فئات تُصنَّف بأنها "صعبة" أو "خطيرة للغاية" على الصحفيين والصحفيات. ولم يعد يتمتع بوضع "جيد" في حرية الصحافة سوى أقل من 1% من سكان العالم، بعد تصدر "النرويج "هذا التصنيف. وفي الوقت نفسه، تتراجع فعالية آليات الحماية، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من دول العالم تفتقر إلى تدابير كافية لضمان سلامة الصحفيين والصحفيات، ما يعكس هشاشة متزايدة في بيئة العمل الإعلامي عالميًا.
وتوضح تقارير المنظمة أن هذه المؤشرات تسجل أدنى مستوياتها منذ أكثر من ربع قرن، نتيجة تداخل التشريعات المقيدة مع تصاعد العنف السياسي، وتوسع استخدام قوانين "الأمن القومي" لتقييد العمل الصحفي. ويعكس ذلك اتجاهًا عالميًا نحو التضييق على حرية الإعلام بدل تعزيزها، بما يفاقم التحديات المرتبطة بحماية الصحفيين واستقلاليتهم.
تحتل حرية الصحافة في فلسطين موقعًا متقدمًا في قائمة البيئات الأكثر خطورة في العالم، إذ جاءت في المرتبة 156 من أصل 180 دولة في تصنيف "مراسلون بلا حدود" لعام 2026، بعد أن كانت 163 في العام 2025، في ظل استمرار الاستهداف المباشر للصحفيين والصحفيات.
وقد تحولت مهنة الصحافة إلى واحدة من أخطر المهن في العالم، منذ اندلاع حرب الإبادة في 7 أكتوبر 2023، حيث وثّقت مؤسسات نقابية وحقوقية مقتل أكثر من 260 صحفيًا وصحفية، وإصابة أكثر من 550 آخرين، إلى جانب استهداف عائلاتهم ومحيطهم.
رغم وقف إطلاق النار الهش الذي أعقب اتفاق شرم الشيخ في أكتوبر الماضي، استمرت الانتهاكات بحق الصحفيين والصحفيات في قطاع غزة، حيث قتل الاحتلال الإسرائيلي خمسة صحفيين خلال عام 2026 وحده، أربعة منهم أثناء تغطيتهم الميدانية، وهم: محمد وشاح، ومحمد صلاح قشطة، وأنس غنيم، وعبد الرؤوف شعث، إضافة إلى الصحفية أمال شمالي التي قتلت في غارة على مخيم النصيرات وسط القطاع.
أما في الضفة الغربية والقدس، فتتواصل سياسة الاعتقال كأداة ضغط ممنهجة، حيث تعرّض عشرات الصحفيين للاعتقال خلال الأشهر الأخيرة، سواء أثناء التغطية أو من منازلهم، في عمليات ترافقت مع مصادرة معدات وتخريب ممتلكات وفرض قيود مالية وإدارية، وصولًا إلى الاعتقال الإداري دون تهم أو محاكمة.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، الذي يصادف الثالث من مايو من كل عام، اعتقلت قوات الاحتلال الصحفية إسلام عمارنة بعد اقتحام مخيم الدهيشة جنوب بيت لحم، وهي شقيقة الأسير الصحفي أسيد عمارنة. 
وتشير المعطيات إلى أنه منذ أكتوبر 2023 تم اعتقال أكثر من 240 صحفيًا في الضفة الغربية، لا يزال 43 منهم رهن الاحتجاز حتى الآن. وفي قطاع غزة، لا يزال صحفيان رهن الإخفاء القسري، هما نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، إلى جانب تدمير أكثر من 150 مؤسسة ومكتبًا إعلاميًا.
وتؤكد منظمة مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين أن الإفلات من العقاب يُعد من أبرز أسباب استمرار الانتهاكات ضد الصحفيين عالميًا، إذ يخلق بيئة تسمح بتكرار الجرائم دون مساءلة، ويقوّض أي ضمانات فعلية للحماية.
ورغم ذلك، يواصل الصحفيون الفلسطينيون عملهم في واحدة من أكثر البيئات خطورة في العالم، مدفوعين بإصرار يتجاوز حدود المهنة. غير أن هذا الصمود لا يمكن أن يعوّض غياب الحماية الدولية أو ضعف الاستجابة المؤسسية.
في المحصلة، لم تعد أزمة حرية الصحافة مجرد شأن مهني، بل مرآة لعالم تتراجع فيه قيمة الحقيقة أمام منطق القوة. وما يجري في فلسطين ليس استثناءً، بل الصورة الأكثر وضوحًا لهذا التراجع.

البوابة 24