موسوعة التجربة الأدبية في فلسطين: للدكتور محمد بكر البوجي

موسوعة التجربة الأدبية في فلسطين: للدكتور محمد بكر البوجي
حين ينهض الوطن من رماد الكلمة...

بقلم: رائد قديح 

في اللحظات التي تتعرض فيها الأمم إلى محاولات الاقتلاع الكبرى، لا تصبح الثقافة ترفًا فكريًا، بل تتحول إلى ضرورة وجودية، وإلى خط الدفاع الأخير عن الهوية والذاكرة والمعنى. 
من هنا تنبع الأهمية الاستثنائية لموسوعة "التجربة الأدبية في فلسطين" للدكتور محمد بكر البوجي؛ هذا العمل الذي لا يمكن النظر إليه بوصفه مشروعًا توثيقيًا عابرًا، بل بوصفه ملحمة معرفية كتبتها إرادة فلسطينية أدركت مبكرًا أن أخطر ما يمكن أن يواجهه الشعب الفلسطيني ليس الاحتلال وحده، بل محاولات محوه من السردية الإنسانية ذاتها.
إن هذه الموسوعة، الممتدة عبر خمسة أجزاء، لا تؤرخ للحركة الأدبية الفلسطينية بعد النكبة بقدر ما تؤرخ لتحولات الوعي الفلسطيني وهو يواجه الخراب التاريخي الأكبر في تاريخه الحديث
فبعد عام 1948، لم تكن المأساة الفلسطينية مجرد خسارة جغرافية، بل كانت انهيارًا شاملًا لفكرة المكان، وتمزقًا حادًا في علاقة الإنسان بذاته وتاريخه ولغته. 
من هنا جاءت الثقافة الفلسطينية باعتبارها محاولة مستمرة لترميم الذات الجمعية، وإعادة بناء الوطن داخل النص بعدما تعذر بناؤه على الأرض.
بهذا المعنى، تبدو الموسوعة وكأنها كتابة مضادة للنسيان؛ مشروعًا يستعيد الفلسطيني من العدم الرمزي الذي حاولت القوى الاستعمارية فرضه عليه. 
فهي لا تجمع النصوص والأسماء فقط، بل تعيد تشكيل الخريطة الداخلية للروح الفلسطينية عبر الأدب والفكر والإعلام والتربية والسياسة، لتكشف كيف استطاع الفلسطيني أن يحول الجرح إلى بنية معرفية، والمعاناة إلى وعي جمالي، والمنفى إلى طاقة هائلة لإنتاج المعنى.
لقد نجح الدكتور البوجي في تجاوز الرؤية التوثيقية التقليدية التي تسقط غالبًا في الحياد البارد، إذ تعامل مع التجربة الأدبية الفلسطينية بوصفها كيانًا حيًا نابضًا بالصراع والأسئلة والتحولات. لذلك فإن القارئ لا يجد نفسه أمام تراجم ثقافية جامدة، بل أمام سيرة حضارية كاملة لشعب يقاتل كي لا يفقد صوته في عالم يزداد قسوة وعزلة. 
كل أديب في هذه الموسوعة يبدو شاهدًا على مرحلة، وكل نص يتحول إلى وثيقة وجودية تختزن قلق الفلسطيني وأسئلته وانكساراته وأحلامه المؤجلة.
ما يمنح هذا المشروع قيمته الأكثر عمقًا أن إنجازه تم في غزة؛ المدينة التي تحولت في الوعي الإنساني المعاصر إلى استعارة كثيفة للحصار والموت والعزلة. 
هنا يكتسب العمل بعدًا أخلاقيًا يتجاوز حدود البحث الأكاديمي. 
فأن يواصل باحث فلسطيني عمله خمسة عشر عامًا تحت القصف والحصار وانهيار شروط الحياة الطبيعية، فهذا يعني أن الثقافة لم تعد مجرد نشاط ذهني، بل أصبحت فعل مقاومة يومي ضد العدم. وكأن المؤلف كان يدرك أن توثيق التجربة الفلسطينية ليس ترفًا معرفيًا، بل معركة وعي لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال.
من الناحية النقدية، تكشف الموسوعة عن وعي منهجي ناضج استطاع أن يقرأ الأدب الفلسطيني ضمن تشابكاته التاريخية والاجتماعية والنفسية، لا بوصفه أدبًا شعاريًا أو خطابًا سياسيًا مباشرًا. 
هنا تكمن قوة العمل؛ إذ يعيد الاعتبار إلى البعد الإنساني والجمالي في الكتابة الفلسطينية، بعيدًا عن الاختزال الذي حاصرها طويلًا داخل مفهوم “أدب المقاومة” بمعناه الضيق. فالفلسطيني، كما تكشف هذه الموسوعة، لم يكن يكتب فقط ليقاوم الاحتلال، بل ليقاوم العزلة والخوف والتشظي وفقدان المعنى أيضًا.
إن أخطر ما فعلته النكبة أنها لم تستهدف الجغرافيا وحدها، بل حاولت تفكيك الوعي العربي بفلسطين، وتحويل القضية من مركز حضاري إلى هامش سياسي عابر. 
لهذا تأتي هذه الموسوعة لتعيد فلسطين إلى فضائها الثقافي الطبيعي، بوصفها تجربة إنسانية غنية أنتجت أدبًا وفكرًا وأسئلة كبرى تتجاوز حدود المكان الفلسطيني نفسه.
إنها تذكير بأن فلسطين لم تكن مجرد قضية سياسية، بل كانت دائمًا مختبرًا عميقًا للمعنى الإنساني في مواجهة القهر والتشريد.
لذلك فإن هذا الإنجاز الموسوعي الكبير لا يستحق الاحتفاء المحلي أو الفلسطيني فحسب، بل يستحق أن تتسابق إليه الجوائز العربية والدولية، بوصفه أحد أهم المشاريع الثقافية العربية التي اشتغلت على الذاكرة والهوية والإنسان في زمن الانهيارات الكبرى. 
فالأعمال العظيمة لا تُقاس بضجيجها الإعلامي، بل بقدرتها على البقاء والتأثير وإعادة تشكيل الوعي، وهذه الموسوعة تمتلك كل الشروط التي تجعلها جديرة بالإشادة النقدية والمؤسساتية على حد سواء. 
إنها مشروع ثقافي يليق بأن يُكرَّم في المحافل الفكرية العربية والعالمية، لأنه لا يوثق أدب شعب فقط، بل يوثق انتصار الإنسان على محاولات المحو والنسيان.

في جوهرها، لا تبدو موسوعة «التجربة الأدبية في فلسطين» كتابًا عن الأدب بقدر ما تبدو محاولة لإعادة كتابة الوجود الفلسطيني نفسه. 
إنها عمل يواجه النسيان بالمعرفة، والتشويه بالتوثيق، والانكسار بالجمال. ولذلك فإن قيمتها لا تقاس بعدد صفحاتها أو أجزائها، بل بقدرتها على حماية الذاكرة الفلسطينية من السقوط في العتمة، وعلى تثبيت الإنسان الفلسطيني داخل التاريخ بوصفه منتجًا للحضارة والمعنى، لا مجرد ضحية لواحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في العصر الحديث.

البوابة 24