بقلم:محمد قاروط أبو رحمه
الملخص
عندما تُذكر قواعد الفدائيين الفلسطينيين في لبنان، يتبادر إلى الذهن السلاح والتدريب والمواجهات العسكرية. لكن جانباً آخر من تلك التجربة لا يحظى بالاهتمام الكافي، وهو حضور الكتاب والمعرفة في حياة الفدائيين. فقد شهدت قواعد كتيبة ألجرمق، إحدى كتائب قوات العاصفة التابعة لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، تجربة ثقافية رائدة تمثلت في إنشاء مكتبات داخل القواعد منذ عام 1977، قبل أن تتطور إلى مكتبة متنقلة تجوب مواقع الفدائيين عام 1981.
لم تكن هذه التجربة حلماً أو فكرة نظرية، بل واقعاً عاشه المقاتلون في ظروف الحرب والحصار والتنقل المستمر. ومن خلال إعادة قراءة هذه التجربة وتوثيقها، يمكن فهم جانب مهم من شخصية الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي رأت في المعرفة شريكاً للبندقية في معركة التحرر الوطني.
الكتاب في الخندق
في معظم قواعد كتيبة ألجرمق كانت توجد مكتبة، رغم أن كثيراً من تلك القواعد كانت عبارة عن خيام بسيطة أقيمت في ظروف ميدانية صعبة. كان الفدائي يتلقى تدريبه العسكري، ثم يعود ليقرأ كتاباً أو يناقش فكرة أو يستعير مرجعاً.
لم يكن الهدف من وجود المكتبات الترفيه أو ملء أوقات الفراغ، بل بناء الوعي السياسي والثقافي والتنظيمي للمقاتل. فالثورة التي أرادت تحرير الأرض كانت تدرك أن تحرير الإنسان يبدأ من العقل، وأن البندقية وحدها لا تكفي إذا لم يحمل صاحبها وعياً ومعرفة وإدراكاً لطبيعة المعركة التي يخوضها.
ومن هنا جاءت فكرة المكتبة المتنقلة، التي بدأت بشكل منظم عام 1981، لتنتقل الكتب والدفاتر والمواد الثقافية بين القواعد المختلفة، وتصل إلى أكبر عدد ممكن من الفدائيين.
ولم يقتصر الاهتمام بالثقافة على المكتبات والكتب فقط، بل كان الاطلاع على الأخبار ومتابعة ما يجري في العالم جزءاً من الحياة اليومية داخل القواعد. فمع وصول التموين الطازج إلى مواقع الفدائيين كانت تصل أيضاً الصحف اليومية، لتوزع بصورة منتظمة على المقاتلين. وكانت قراءة الصحف ومناقشة ما تنشره من أخبار وتحليلات سياسية جزءاً من النشاط اليومي، بما يربط الفدائي بمجريات الأحداث الفلسطينية والعربية والدولية.
لقد كانت قيادة الثورة تدرك أن المقاتل لا يحتاج إلى الغذاء الجسدي وحده، بل إلى غذاء العقل أيضاً. ولذلك كانت الصحيفة تصل إلى القاعدة جنباً إلى جنب مع الخبز والطعام، في مشهد يعكس رؤية مبكرة تعتبر المعرفة حاجة أساسية لا تقل أهمية عن الاحتياجات المعيشية الأخرى.
لماذا نوثق هذه التجربة؟
إن توثيق هذه التجربة لا يهدف إلى التفاخر أو البحث عن سبق تاريخي بقدر ما يهدف إلى حفظ جزء من الذاكرة الوطنية الفلسطينية. فالشعوب التي لا توثق تجاربها تفقد القدرة على فهم ذاتها والاستفادة من خبراتها.
لقد صنع الشعب الفلسطيني تاريخه عبر تضحيات الشهداء والجرحى والأسرى والمناضلين في مختلف المراحل. وكل تجربة ناجحة أو مبادرة خلاقة تشكل جزءاً من هذا الإرث الوطني الذي يجب الحفاظ عليه ونقله للأجيال الجديدة.
ومن المؤسف أن بعض المسؤولين أو أصحاب المواقع العامة يجهلون أحياناً تفاصيل هذا التاريخ أو يتعاملون معه باعتباره مجرد ماضٍ انتهى، بينما الحقيقة أن الحاضر الفلسطيني هو امتداد طبيعي لمسيرة نضالية تجاوزت المئة عام.
ولهذا فإن المطلوب ليس تكرار تجارب السابقين حرفياً، ولا القطيعة معها، بل البناء عليها وتطويرها والاستفادة من دروسها. فالأمم الحية لا تبدأ من الصفر، بل تنطلق من تراكم خبراتها وإنجازاتها.
وقد ذم القرآن الكريم التقليد الأعمى الذي يلغي العقل ويعطل التفكير، كما رفض الجحود الذي ينكر ما قدمه السابقون من إنجازات وتجارب. والمطلوب هو منهج يقوم على الاستفادة من الخبرة التاريخية والبناء عليها وتطويرها بما يناسب متطلبات الحاضر والمستقبل.
وهذا هو المنهج الذي جسده النبي محمد صلى الله عليه وسلم عندما أثنى على حلف الفضول، رغم أنه سبق الإسلام، فقال: «لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت». كما أكد بقوله: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»، في إقرار واضح بأن الأمم تبني على ما هو صالح في تجاربها السابقة ولا تبدأ من الفراغ.
المكتبة المتنقلة: قراءة في الريادة
عندما بدأت البحث والتدقيق في موضوع المكتبات المتنقلة، وجدت عدداً من الأخبار والتقارير التي قدمت مبادرات حديثة على أنها الأولى من نوعها في فلسطين. فقد نُشرت تقارير وأخبار بين عامي 2011 و2015 تتحدث عن إطلاق مكتبات متنقلة بدعم مؤسسات محلية ودولية، وتصفها بأنها تجربة رائدة أو الأولى في فلسطين.
كما تشير بعض المصادر إلى أن مشروع المكتبات المتنقلة في دار الكتب المصرية بدأ عام 1984، بينما ظهرت تجارب مماثلة في الجزائر عام 2011 وفي المملكة العربية السعودية عام 2013.
وبالاستناد إلى ما توفر من وثائق وشهادات حول تجربة كتيبة ألجرمق عام 1981، فإن المكتبة المتنقلة التي جابت قواعد الفدائيين سبقت هذه المبادرات زمنياً. ولذلك تستحق هذه التجربة أن تُدرس وتُوثق باعتبارها واحدة من أوائل التجارب العربية في مجال المكتبات المتنقلة، وربما أسبقها ضمن إطار تنظيمي واضح ومؤسسي.
غير أن أهمية التجربة لا تكمن في أسبقيتها الزمنية فحسب، بل في البيئة التي نشأت فيها. فقد ولدت في ظروف الحرب، داخل قواعد الفدائيين، حيث كانت الأولوية الظاهرة للسلاح والقتال، بينما أصرت الثورة الفلسطينية على أن يكون للكتاب مكانه إلى جانب البندقية، وللمعرفة مكانها إلى جانب التدريب العسكري.
عندما استُهدفت المكتبة
في صيف عام 1982 تعرضت قواعد الثورة الفلسطينية في لبنان لحرب شرسة وقصف متواصل طال البشر والحجر وكل مظاهر الحياة فيها.
وكانت المكتبة المتنقلة واحدة من ضحايا تلك الحرب. احترقت الكتب، وتطايرت الدفاتر والأقلام والمواد التعليمية تحت القصف، كما دُمرت الكثير من الممتلكات والمنشآت التابعة للفدائيين.
تطايرت الكتب في السماء كما كان الشهداء يرتقون إلى عليائهم. احترقت الأوراق والدفاتر والأقلام، واحترقت معها ذاكرة مادية لتجربة ثقافية وإنسانية غنية، لكن ما احترق كان الورق فقط.
أما الفكرة التي حملتها تلك المكتبة فلم تحترق، لأن المعرفة التي انتقلت إلى العقول بقيت حية. لقد استطاع القصف أن يدمر السيارة والكتب والرفوف، لكنه لم يستطع أن يمحو الوعي الذي ساهمت في بنائه.
من يستطيع حرق ما في الصدور؟ ومن يستطيع محو ما في العقول؟
لقد بقيت الفكرة، وبقي الأثر، وبقيت الذاكرة شاهدة على أن الثورة الفلسطينية لم تكن مشروع سلاح فقط، بل مشروع بناء إنسان أيضاً.
خاتمة
تكشف تجربة المكتبة المتنقلة في كتيبة ألجرمق عن جانب مهم من تجربة الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ جانب يؤكد أن العلاقة بين الكتاب والبندقية لم تكن علاقة تناقض، بل علاقة تكامل.
لقد حمل الفدائي الفلسطيني السلاح دفاعاً عن حقه، وحمل الكتاب دفاعاً عن وعيه. وكانت المعرفة بالنسبة إليه جزءاً من معركة التحرر، تماماً كما كانت البندقية جزءاً منها.
واليوم، ونحن نستعيد هذه التجربة بعد عقود طويلة، فإننا لا نفعل ذلك بدافع الحنين إلى الماضي، بل من أجل فهمه والبناء عليه. فالأمم التي تحفظ ذاكرتها وتراكم خبراتها هي الأقدر على صناعة مستقبلها.
لقد احترقت المكتبة المتنقلة في حرب عام 1982، لكن رسالتها بقيت حية: أن الكتاب قد يُحرق، أما المعرفة فلا. وأن البندقية قد تحمي الأرض، لكن الكتاب هو الذي يحمي الوعي ويمنح النضال معناه واستمراره.
نحن نوثق بالقلم ما كتبه شعبنا بالدم والألم، لأن التاريخ الذي لا يُكتب يضيع، أما التاريخ الذي يُوثق فيبقى شاهداً على أن شعباً آمن بالعلم كما آمن بالنضال، فصنع من كليهما طريقاً نحو الحرية.
