على الحافة: قراءة في حراك 26/6 وخطاب حماس

بقلم:د. تحسين الأسطل

في 26 حزيران/يونيو 2026، دعا نشطاء فلسطينيون إلى حراك افتراضي عبر مواقع التواصل، بهدف كسر الصمت وتسليط الضوء على الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، التي لم تعد تتحملها الجبال، نتيجة حرب إبادة مستمرة دون أي بوادر للتغيير.
غير أن رد حركة حماس جاء بالتخوين والتشكيك، واعتبار الحراك جزءًا من “مشروع الاحتلال”. وشهدت الساحة عملية تحشيد واسعة لكل مكونات الحركة، اعتمدت في خطابها على التخوين والتهديد، والتخويف من الانقسام والحرب الأهلية والفلتان الأمني، فيما ابتعدت عن قراءة الحراك كنداء داخلي يعكس حجم الألم المتراكم والمشروع.

يأتي ذلك في ظل واقع كارثي: دمار أغلق آفاق السماء، ومدن رئيسة مُسحت وأصبحت على الورق وخرائط “غوغل”، فيما يعتمد المواطنون على المساعدات، مع تفاقم الفقر والبطالة. ورغم هذه المؤشرات، تتقلص المساحة المتاحة للحياة إلى نحو 30%، بين خيام ومنازل مدمرة.
كما يتزامن ذلك مع تضييق مساحات الحريات، حتى في الفضاء الرقمي، ما يعمّق الفجوة بين الشارع وحركة حماس، التي تدرك ذلك جيدًا، ويؤكده التحشيد غير المسبوق، ومحاولات استدعاء تسميات دينية وعشائرية وعائلية، وهي كارثة أخرى تستحق التوقف عندها في مقال لاحق.

حراك 26/6 لم يكن حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا على حالة احتقان شعبي، وحاجة ملحّة لمراجعة المسار السياسي والداخلي. ومن يعتقد أنه فشل، يتجاهل حقيقة أن حجم الرد الأمني والإعلامي — الذي وصل إلى كل خيمة وميدان — يعكس نجاحًا في قراءة المزاج الشعبي، رغم غياب أي تنظيم حقيقي على الأرض.

الاحتفال بما سُمّي “فشل الحراك” يحمل دلالات خطيرة، إذ يعكس ارتياحًا زائفًا وبحثًا عن نصر مفقود، بينما الواقع يزداد قسوة: تضييق متصاعد، خنق يومي لحياة المواطنين، وسيطرة إسرائيلية تقارب 70% من مساحة القطاع. في المقابل، لا يُرى أي احتفال إلا لدى بنيامين نتنياهو، الذي يبدو في أفضل مراحله، قادرًا على فرض شروطه، ومواصلة تجاهل المجتمع الدولي دون كلفة تُذكر، بعدما استطاع الإفلات من اتهامات جدية بالفساد، في ظل انهيار سياسي كان متوقعًا.

هذا التناقض يكشف خطورة الانفصال عن الواقع فلسطينيًا، وعجزًا لدى مختلف المكونات عن إطلاق تحذير جاد. المطلوب من حماس ليس إنكار الأزمة، بل التعامل بواقعية ومسؤولية، بعيدًا عن الاستخفاف الذي سبق تدمير رفح وخانيونس وشرق غزة وشمالها. فالتعامل مع الخسائر كأرقام مجردة— حتى عندما قيل في بداية الحرب إنها قد تصل إلى مئة ألف — أثبت فشله، لنجد أنفسنا أمام واقع يلامس هذه الأرقام بكل ما تحمله من معاناة ودمار. وكأننا نختبر التزام جيش مجرم بأخلاقيات الحرب، وهي التي عايشها شعبنا من كفر قاسم ودير ياسين إلى صبرا وشاتيلا، وصولًا إلى حرب الإبادة الحالية التي تبدو امتدادًا لهذا المسار الدموي.

إن الاستمرار في هذا النهج لن يقود إلا إلى مزيد من الخسارة. فقط المراجعة الصادقة، وتقديم حياة الناس وكرامتهم، قد تفتح نافذة أمل قبل فوات الأوان، وتمنح المخلصين فرصة لإنقاذ ما تبقى — ولعلهم ينجحون.

في هذه المرحلة، لا ينبغي انتظار نصر عسكري أو سياسي من غزة المنهكة؛ فالنصر الحقيقي اليوم هو بقاء أهلها على أرضهم، وتعزيز صمودهم في وجه سياسات الاقتلاع. 

البوابة 24