شهد الشيكل الإسرائيلي خلال الشهر الجاري تراجعًا ملحوظًا ومفاجئًا بعد فترة من التحسن، إذ عاد سعر صرف الدولار ليرتفع مجددًا إلى حدود 3 شواكل، بعد أن كان يتداول خلال شهر مايو الماضي عند مستويات بلغت نحو 2.80 شيكل للدولار أو أقل قليلًا.
ويُعد هذا التحول السريع أحد أبرز التغيرات في سوق العملات الإسرائيلية مؤخرًا، وسط حديث اقتصاديين عن دخول الشيكل في موجة ضعف نسبية مقارنة بعدد من العملات العالمية.
أداء عالمي ضعيف.. الشيكل بين الأسوأ
بحسب تقارير اقتصادية عبرية، فإن الشيكل لم يتفوق عليه في الأداء خلال الفترة الأخيرة سوى عملتين فقط هما الكرونة النرويجية والروبل الروسي، وكلاهما تأثر بانخفاض أسعار النفط عالميًا.
ويشير ذلك إلى أن تراجع الشيكل لا يرتبط بعامل محلي فقط، بل يأتي ضمن سياق عالمي أوسع يشهد تقلبات في أسواق العملات وأسعار الفائدة.
بنك هبوعليم يشرح الأسباب
قال مودي شافرير، كبير استراتيجيي الأسواق المالية في بنك هبوعليم الإسرائيلي، إن التغير الحاد في سعر صرف الشيكل يعود إلى مجموعة عوامل متداخلة، أبرزها:
- ارتفاع قيمة الدولار عالميًا بأكثر من 2% مقابل سلة العملات
- ارتفاع علاوة المخاطر في إسرائيل
- تدخل بنك إسرائيل في سوق العملات
- تراجع أسواق التكنولوجيا في وول ستريت
- فروقات أسعار الفائدة بين إسرائيل والولايات المتحدة
وأضاف أن هذه العوامل مجتمعة أعادت الضغط على الشيكل بعد فترة من الاستقرار النسبي.
“علاوة المخاطر” تعود للارتفاع
أوضح شافرير أن أحد أهم مؤشرات قياس المخاطر هو الفارق بين عوائد السندات الإسرائيلية ونظيرتها الأميركية، وهو ما يُعرف بـ"الهامش"، والذي يعكس تقييم الأسواق لمستوى المخاطر في إسرائيل.
كما أشار إلى أدوات مالية أخرى مثل عقود مقايضة مخاطر الائتمان (CDS)، والتي شهدت تقلبات واضحة خلال العامين الماضيين:
- قبل 2022: أقل من 40 نقطة أساس
- ذروة الإصلاح القانوني: 60 – 65 نقطة
- بعد 7 أكتوبر: ارتفعت إلى 140 – 160 نقطة
- بعد وقف إطلاق النار: تراجعت إلى نحو 49 نقطة
- حاليًا: تقارب 54 نقطة أساس
وتعكس هذه الأرقام، وفق الخبراء، مستوى إدراك المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية.
سوق الأسهم الأميركي يؤثر مباشرة على الشيكل
يرى اقتصاديون أن تراجع أسهم شركات التكنولوجيا في وول ستريت ساهم في الضغط على الشيكل بشكل مباشر، بسبب ارتباط استثمارات المؤسسات الإسرائيلية بالأسواق العالمية.
وقال جوناثان كاتس، كبير الاقتصاديين في شركة “ليدر كابيتال ماركتس”، إن المؤسسات المالية تضطر إلى إعادة موازنة تعرضها للعملات الأجنبية وفق أداء الأسهم العالمية، ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار عند ارتفاع الأسهم الأميركية، والعكس صحيح.
المؤسسات الاستثمارية وتغير السلوك المالي
تشير بيانات بنك إسرائيل إلى أن المؤسسات المالية رفعت مستوى انكشافها على العملات الأجنبية من 19.1% في مارس إلى 20.5% في أبريل، قبل أن تصل لاحقًا إلى مستويات أعلى خلال 2025.
ويرى كاتس أن هذا التغير يعكس قراءة المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية، إضافة إلى تأثيرات الإصلاحات الداخلية والحرب، مع تحولات تدريجية في شهية المخاطرة.
وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه قد يضغط أكثر على الشيكل، خصوصًا إذا استمرت تقلبات الأسواق العالمية.
توقعات وتحذيرات من بنوك عالمية
أشارت تقارير من مؤسسات مالية دولية إلى استمرار النظرة السلبية قصيرة المدى تجاه الشيكل، مع توصيات بفتح مراكز شراء للدولار مقابل الشيكل.
وحدد أحد البنوك العالمية هدفًا لسعر الصرف عند 3.14 شيكل للدولار خلال 3 أشهر، مقارنة بمستويات تقارب 2.99 حاليًا.
وفي المقابل، يرى محللون أن السوق لا يزال عرضة لتقلبات حادة يصعب التنبؤ بها، خاصة في ظل ارتباطه بعوامل سياسية واقتصادية متداخلة.
بين الضعف والمرونة.. الصورة ليست واحدة
رغم موجة التراجع، يؤكد محللون أن الشيكل ما يزال يمتلك عوامل دعم هيكلية، أبرزها:
- فائض الصادرات الإسرائيلية
- قوة قطاع التكنولوجيا المتقدمة
- تدفقات استثمارية طويلة الأجل
لكن في المقابل، تبقى الضغوط قصيرة المدى مرتبطة بأسعار الفائدة، والمخاطر الجيوسياسية، وحركة الأسواق العالمية.
بين صعود الدولار وتراجع الشيكل، تبدو السوق الإسرائيلية أمام مرحلة حساسة من التقلبات، حيث تتداخل العوامل المحلية مع العالمية بشكل غير مسبوق، ما يجعل اتجاه العملة في المدى القريب مرهونًا بتوازن هش بين المخاطر والسياسات النقدية وتحركات الأسواق الدولية.
