إسرائيل وتفكيك المشروع الوطني الفلسطيني

إسرائيل وتفكيك المشروع الوطني الفلسطيني: من الاحتلال المباشر إلى هندسة السيطرة الدائمة

بقلم: موسى الصفدي

لم يعد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي يدور حول احتلال أرض فحسب، بل بات يتمحور حول مشروع إسرائيلي متكامل لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا، بما يضمن تكريس السيطرة الإسرائيلية ومنع قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة. لقد كشفت السنوات الأخيرة أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لا تنظر إلى السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها شريكًا في عملية سياسية تقود إلى إنهاء الاحتلال، بل تتعامل معها باعتبارها إدارة محلية محدودة الصلاحيات، تؤدي وظائف خدمية وأمنية في مناطق التجمعات السكانية الفلسطينية، بينما تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد الطبيعية والمعابر والحركة. ولعل أخطر أدوات الضغط التي استخدمتها إسرائيل تمثلت في أموال المقاصة، التي تشكل المصدر الرئيس لإيرادات السلطة الفلسطينية. فمن خلال الاقتطاعات المتكررة أو تعليق تحويل هذه الأموال، مارست إسرائيل ضغطًا اقتصاديًا وسياسيًا مباشرًا أدى إلى أزمات مالية متلاحقة أثرت في قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والخدمات العامة. ويكشف هذا الواقع حجم الارتهان الذي فرضه بروتوكول باريس الاقتصادي، والذي منح إسرائيل نفوذًا واسعًا على الاقتصاد الفلسطيني. في المقابل، تتواصل سياسة فرض الوقائع على الأرض بوتيرة متسارعة. فالاستيطان يتوسع في الضفة الغربية، والبنية التحتية الإسرائيلية تمتد في مناطق (ج)، بينما تتزايد القيود على البناء والتنمية الفلسطينية، بما يؤدي تدريجيًا إلى تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية وعزل التجمعات السكانية عن بعضها البعض. وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل مشروع حول المرحلة التالية من المشروع الإسرائيلي. فقد تناولت تقارير إعلامية ونقاشات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية أفكارًا تتعلق بإسناد بعض المهام المدنية أو الأمنية إلى جهات متعاقدة أو شركات خاصة في بعض المناطق. إلا أنه لا توجد حتى الآن سياسة إسرائيلية معلنة أو قرار رسمي يقضي بنقل إدارة مناطق (ب) و(ج) بالكامل إلى شركات أمنية إسرائيلية أو أمريكية. وعليه، فإن الحديث عن هذا الاحتمال يندرج ضمن التحليل السياسي واستشراف الاتجاهات، لا ضمن الوقائع المثبتة. ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا؛ إذ تسعى إسرائيل إلى تقليل الاحتكاك المباشر بين جيش الاحتلال والمواطنين الفلسطينيين، مع الإبقاء على السيطرة الكاملة على مفاصل الحياة اليومية. ويهدف هذا النهج إلى خفض الكلفة السياسية والأمنية للاحتلال، دون التخلي عن السيطرة الفعلية على الأرض والسكان. إن استمرار إضعاف السلطة الفلسطينية ماليًا وإداريًا قد يدفعها، بمرور الوقت، إلى الانكفاء نحو إدارة الخدمات البلدية والتعليم والصحة والشؤون المدنية داخل المدن الرئيسية، بينما تبقى الملفات السيادية والأمنية والاقتصادية خاضعة بالكامل للقرار الإسرائيلي. وهذا السيناريو، إن تحقق، لن يكون نتيجة ظرف مالي عابر، بل سيكون انعكاسًا لمسار سياسي طويل يسعى إلى إعادة تعريف الدور الفلسطيني بما يتوافق مع الرؤية الإسرائيلية. وفي جوهر هذا المشروع، تبدو الغاية الأساسية هي تثبيت نظام سيطرة دائم على الأرض الفلسطينية، مع تجنب الاستحقاقات السياسية التي يفرضها حل الدولتين أو إنهاء الاحتلال وفق قرارات الشرعية الدولية. ومن هنا، فإن معركة الفلسطينيين اليوم لم تعد تقتصر على مقاومة الاستيطان، بل تشمل أيضًا حماية المؤسسات الوطنية من التآكل، وتعزيز صمود المجتمع، واستعادة الوحدة الوطنية، وتفعيل الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا للحفاظ على المشروع الوطني وحق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال. إن مستقبل القضية الفلسطينية لن تحدده الإجراءات الإسرائيلية وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة الفلسطينيين على بناء استراتيجية وطنية موحدة تستند إلى الشرعية الدولية، وتواجه محاولات تحويل الاحتلال من حالة مؤقتة إلى واقع دائم، ومن سلطة احتلال إلى منظومة سيطرة مقوننة تتخفى وراء ترتيبات إدارية وأمنية جديد

البوابة 24