عين عطا.. من الزمن الجميل للثورة الفلسطينية في جنوب لبنان

 بقلم: موسى الصفدي

كلما عدت بذاكرتي إلى قاعدة عين عطا في جنوب لبنان، لا أستحضر المواقع والتحركات أولًا، بل أستحضر ذلك الصمت الذي كان يهبط على المكان مع حلول المساء. صمتٌ لم تكن تقطعه إلا همسات الرفاق، أو نوبات الحراسة، أو صوت الريح وهي تعبر بين أشجار الجبل، كأنها تحمل معها أخبار الوطن البعيد. في تلك السنوات، التي أراها اليوم من أجمل وأصدق مراحل الثورة الفلسطينية، لم يكن المقاتل يُختبر فقط بقدرته على تحمل مشقة الحياة أو الالتزام بواجباته، بل كان يُختبر أيضًا بقدرته على الانتصار على نفسه. فقد كانت الوحدة، أكثر من أي شيء آخر، تدخل إلى القلب بهدوء، وتفتح أبواب الذاكرة على مصراعيها. كنا نظن أن أصعب ما ينتظرنا هو ما يحيط بنا من أخطار، لكن الأيام علمتنا أن الإنسان قد يخوض معركة صامتة مع نفسه، لا يسمعها أحد، ولا يراها أحد، لكنها تترك أثرها العميق في روحه. وفي تلك اللحظات، كان الرفيق يصبح أخًا، وكانت الكلمة الطيبة فعل مقاومة، وكانت جلسة مسائية حول الشاي أو حديث عن فلسطين كافية لتعيد إلى النفوس شيئًا من دفئها. لقد صنعت تلك المرحلة رجالًا عرفوا معنى المسؤولية قبل أن يعرفوا معنى الشهرة، وتعلموا أن الانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على الصبر، واحترام الرفيق، وتحمل المشقة، والحفاظ على الأمل في أصعب الظروف. واليوم، كلما استرجعت تلك الأيام، أدرك أن سر عظمتها لم يكن في قسوة الحياة وحدها، ولا في كثافة الأحداث، بل في أنها صنعت جيلًا آمن بأن القضية الوطنية تبدأ ببناء الإنسان. فالإنسان القادر على هزيمة اليأس، وترويض الحنين، والحفاظ على إنسانيته في أقسى الظروف، هو الأقدر على حمل مسؤولية وطنه. ستبقى عين عطا بالنسبة لي أكثر من موقع في جنوب لبنان. ستبقى مدرسةً في الصبر، وذاكرةً لا يبهت نورها، وشاهدًا على زمنٍ كان الرفاق فيه يتقاسمون الخبز والحلم والمسؤولية، ويؤمنون أن الطريق إلى فلسطين لا يُعبد بالإرادة وحدها، بل بالمحبة، والوفاء، والتضحية، والإيمان بأن الفجر يولد دائمًا بعد أطول الليالي.

البوابة 24