بقلم رامي الغف*
ليست خيانة الأمانة مجرد خطأ عابر أو تجاوز إداري، بل هي سقوط أخلاقي خطير، لأن الأمانة عندما ترتبط بالمسؤولية العامة تصبح حقًا للشعب وواجبًا تجاه الوطن. فكلما ارتفع موقع الإنسان وكبرت صلاحياته، ازدادت مسؤوليته في حماية مصالح الناس وصون مقدراتهم. ومن لا يملك القدرة على حمل هذه الأمانة بشرف ونزاهة، فإن الابتعاد عن مواقع المسؤولية يكون أكرم له وللمجتمع. فالسلطة في مفهومها الحقيقي ليست بابًا للامتيازات، ولا وسيلة لتحقيق النفوذ والثروة، بل هي تكليف لخدمة المواطن وحماية حقوقه. وعندما تتحول المناصب العامة إلى أدوات للمصلحة الشخصية، يصبح الفساد خطرًا يتجاوز سرقة المال ليصل إلى ضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، وإضعاف فكرة العدالة نفسها.
لم يعد الحديث عن الفساد شأنًا هامشيًا، بل أصبح قضية تمس حياة الناس ومستقبل المجتمعات. فالفساد لا يعني فقط اختلاس المال العام، بل يشمل كل أشكال استغلال النفوذ، والمحسوبية، وغياب الشفافية، وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة العامة. والأخطر من ذلك أن يشعر المواطن بأن القانون لا يطبق على الجميع بالدرجة نفسها، وأن بعض أصحاب النفوذ يمتلكون قدرة على الإفلات من المحاسبة. ومن أكثر المشاهد إيلامًا في أي مجتمع أن يرى المواطن من يتحدثون عن مكافحة الفساد، بينما تحيط بهم التساؤلات حول مصادر ثروات ظهرت بشكل مفاجئ، في وقت يكافح فيه آلاف الناس من أجل توفير أبسط مقومات الحياة.
فالمفارقة القاسية أن يعيش المواطن أزمات الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار، بينما تظهر أمامه مظاهر ثراء لا تنسجم مع واقع مجتمع أنهكته الظروف. إن أخطر آثار الفساد أنه لا ينهب الأموال فقط، بل ينهب الأمل أيضًا. فعندما يفقد الإنسان ثقته بأن الكفاءة هي طريق النجاح، وأن العدالة هي معيار الحكم، يبدأ الشعور بالإحباط والتهميش بالانتشار، وتصبح الفجوة بين المواطن ومؤسسات الدولة أكبر وأعمق. لقد مر الشعب الفلسطيني بظروف استثنائية ومعقدة؛ الاحتلال، والانقسام، والحصار، والأزمات الاقتصادية، والبطالة، والفقر، وكلها عوامل جعلت الحاجة إلى النزاهة وحسن إدارة الموارد أكثر إلحاحًا. فالموارد العامة ليست ملكًا لفئة أو مجموعة، بل هي أمانة يجب أن تُسخّر لخدمة الناس وتعزيز صمودهم وحماية مستقبلهم.
إن مواجهة الفساد لا تكون عبر التصريحات والشعارات فقط، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية ومنظومة متكاملة تقوم على سيادة القانون، واستقلال المؤسسات الرقابية، والشفافية في إدارة المال العام، ومحاسبة كل من يثبت تجاوزه مهما كان موقعه أو نفوذه. إن مبدأ "من أين لك هذا؟" ليس أداة للانتقام أو التشهير، بل قاعدة أساسية لحماية المال العام وترسيخ العدالة. فكل من يتولى منصبًا عامًا يجب أن يكون قادرًا على تقديم إجابات واضحة حول مصادر ثروته وممتلكاته، لأن المسؤولية العامة لا تمنح حصانة من المساءلة، بل تزيد من حجمها. ولا يمكن لأي وطن أن يبني مستقبلًا قويًا إذا اتسعت الهوة بين مواطن يكافح من أجل لقمة العيش، وبين من يحقق ثروات ضخمة مستفيدًا من موقعه أو علاقاته.
فالدول لا تنهض فقط بالبنى التحتية والمشاريع، بل تنهض قبل كل شيء بقيم النزاهة والعدل واحترام حقوق الناس. ويبقى للإعلام دور أساسي في هذه المعركة، فهو عين المجتمع وصوته، لكن دوره يجب أن يقوم على الحقائق والوثائق والمهنية، بعيدًا عن التشهير أو تصفية الحسابات، لأن الهدف ليس إسقاط أشخاص، بل حماية الوطن من آفة تهدد مؤسساته ومستقبله. إن الحرب على الفساد ليست معركة سياسية أو شخصية، بل هي معركة وطنية وأخلاقية. فالفساد حين ينتشر يصبح خطرًا على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي وثقة الناس بمستقبلهم. لذلك فإن المطلوب اليوم هو تعزيز ثقافة المحاسبة، وحماية من يكشفون التجاوزات، وضمان أن يكون القانون فوق الجميع.
فالأوطان لا تُبنى بالخطب وحدها، بل بالأمانة والعدل والصدق في تحمل المسؤولية. ومن يحوّل الأمانة إلى غنيمة، والمنصب إلى وسيلة للثراء، يجب أن يدرك أن خدمة الناس شرف، وأن خيانة هذه الثقة مسؤولية لا تسقط بالتقادم. آخر الكلام: من أمن العقاب أساء الأدب، ولا يمكن اجتثاث الفساد إلا بإرادة صلبة تجعل العدالة فوق المصالح، والقانون فوق الأشخاص، والوطن فوق كل اعتبار. *إعلامي وباحث سياسي
