بقلم: موسى نافذ الصفدي
ليس من الإنصاف التاريخي، ولا من الدقة السياسية، إخضاع مدارس الوعي الوطني الفلسطيني التي تشكلت في مرحلة انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة للمقاييس ذاتها التي يمكن من خلالها تقييم المدارس السياسية التي نشأت في ظل التحولات الإقليمية والدولية اللاحقة. فالأفكار لا تُولد في الفراغ، بل تصنعها البيئة السياسية والاجتماعية، وتحكمها موازين القوى، وتؤثر فيها طبيعة التحديات التي تواجه الشعوب. لقد ولدت الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة من رحم النكبة عام 1948، وما أعقبها من محاولات متواصلة لشطب الهوية الوطنية الفلسطينية واعتبار الفلسطينيين مجرد قضية لاجئين. وفي مواجهة هذا المشروع، جاءت منظمة التحرير الفلسطينية عند تأسيسها عام 1964 لتعلن أن الشعب الفلسطيني ليس تجمعاً بشرياً مشتتاً، بل شعب يمتلك شخصية وطنية مستقلة وحقوقاً تاريخية وقانونية لا تسقط بالتقادم. ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، وما أعقب معركة الكرامة عام 1968 من صعود المشروع الوطني الفلسطيني، تشكلت مدرسة سياسية جديدة قوامها الإيمان بقدرة الشعب الفلسطيني على صناعة تاريخه بنفسه، وبأن القرار الوطني الفلسطيني يجب أن يبقى مستقلاً عن محاور الإقليم وصراعاته. وقد أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية، منذ اعتراف القمة العربية في الرباط عام 1974 بها ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، ثم حصولها في العام نفسه على صفة مراقب في الأمم المتحدة، المرجعية السياسية والقانونية التي أعادت تثبيت القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية. في تلك المرحلة، لم تكن منظمة التحرير مجرد مؤسسة سياسية، بل كانت الوطن المعنوي والنظري للفلسطينيين في الداخل والشتات. فمن خلالها حافظ اللاجئون على هويتهم الوطنية، ومن خلالها بقيت القضية الفلسطينية قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال، لا مجرد أزمة إنسانية أو ملف إغاثي. لذلك، فإن الوعي الوطني الذي صنعته تلك المرحلة كان وعياً تحررياً بامتياز، يستند إلى وحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة التمثيل، واستقلال القرار الوطني، وإلى الإيمان بأن تحرير الإنسان الفلسطيني يبدأ بالحفاظ على هويته الوطنية الجامعة. لكن التاريخ لا يبقى ثابتاً. فقد دخل العالم منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي مرحلة مختلفة تماماً، مع انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، وتراجع الدعم الدولي لحركات التحرر، وتبدل أولويات النظام العربي، ثم توقيع اتفاق أوسلو وما ترتب عليه من انتقال جزء من المشروع الوطني من ساحات الثورة إلى مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. هذه التحولات لم تغيّر فقط أدوات العمل السياسي، بل أثرت أيضاً في طبيعة الخطاب الوطني، حيث انتقل جانب كبير من الجهد الفلسطيني من مرحلة النضال من أجل تثبيت الوجود الوطني إلى مرحلة إدارة الوقائع السياسية واليومية تحت الاحتلال. كما جاءت الانقسامات الداخلية منذ عام 2007 لتضيف تحدياً جديداً تمثل في ازدواجية المرجعيات السياسية، وهو ما انعكس سلباً على وحدة الخطاب الوطني الفلسطيني. من هنا، يصبح من غير المنطقي مقارنة جيل كان همه الأساسي انتزاع الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره، بجيل وجد نفسه منشغلاً بإدارة أزمات داخلية وخارجية معقدة فرضتها التحولات الدولية والإقليمية. فلكل مرحلة أدواتها، ولكل ظرف أولوياته، ولكل تجربة شروطها الموضوعية. غير أن اختلاف الظروف لا ينبغي أن يؤدي إلى التشكيك في الثوابت الوطنية أو التقليل من قيمة المدرسة الوطنية التي أسستها منظمة التحرير الفلسطينية. فهذه المدرسة لم تبن شرعيتها على الشعارات، وإنما على منجزات سياسية ووطنية ملموسة، من أبرزها تثبيت الهوية الفلسطينية، وانتزاع الاعتراف العربي والدولي بالشعب الفلسطيني، والحفاظ على استقلالية القرار الوطني رغم الضغوط الهائلة التي تعرض لها عبر العقود. واليوم، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة الاعتبار لهذه المدرسة الوطنية، لا بوصفها حالة تاريخية انتهت، بل باعتبارها منظومة قيم تقوم على الوحدة الوطنية، والتعددية السياسية، واستقلال القرار الفلسطيني، واحترام المؤسسات، وتقديم المصلحة الوطنية العليا على المصالح الفئوية أو الإقليمية. إن تجديد المشروع الوطني الفلسطيني لا يبدأ بإلغاء التجربة التاريخية أو التقليل من شأنها، بل يبدأ بفهمها، والبناء عليها، واستخلاص دروسها. فالأمم التي تنكر تاريخها تفقد بوصلتها، أما الأمم التي تحسن قراءة تاريخها، فإنها تمتلك القدرة على صناعة مستقبلها. ويبقى الدرس الأهم الذي قدمته مدرسة منظمة التحرير الفلسطينية هو أن الشعب الفلسطيني، رغم الشتات والاحتلال والحروب والانقسامات، لا يستطيع الحفاظ على قضيته إلا من خلال مرجعية وطنية جامعة، قادرة على استيعاب جميع مكوناته السياسية والاجتماعية، وصيانة وحدته الوطنية حتى تحقيق أهدافه المشروعة في الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية.يمكن.
