بقلم: موسى نافذ الصفدي
إذا كان المشروع الوطني الفلسطيني قد نجح، خلال العقود الأولى من الثورة الفلسطينية المعاصرة، في بناء هوية وطنية جامعة وحشد طاقات الشعب الفلسطيني حول برنامج سياسي موحد، فإن التحدي الأكبر اليوم لم يعد إثبات وجود الشعب الفلسطيني أو شرعية حقوقه، بل يتمثل في تجديد أدوات المشروع الوطني بما يحافظ على وحدته ويعيد إليه القدرة على المبادرة في مواجهة المتغيرات المتسارعة. إن تجديد الوعي الوطني لا يعني القطيعة مع التجربة التاريخية، بل يعني العودة إلى الأسس التي جعلت من منظمة التحرير الفلسطينية بيتاً سياسياً جامعاً لكل الفلسطينيين. فقد أثبتت التجربة أن قوة المنظمة لم تكن نابعة فقط من الاعتراف العربي والدولي بها، وإنما من قدرتها على احتضان مختلف التيارات الوطنية ضمن إطار سياسي واحد، يحكمه الحوار والالتزام بالمصلحة الوطنية العليا. لقد مرت القضية الفلسطينية بمحطات صعبة؛ من الخروج من بيروت عام 1982، إلى الانتفاضتين، مروراً بالتحولات الدولية والانقسام الفلسطيني، وصولاً إلى التحديات التي فرضها استمرار الاحتلال وتوسع الاستيطان ومحاولات تكريس الوقائع على الأرض. ومع ذلك، بقي الشعب الفلسطيني متمسكاً بهويته الوطنية، وهو ما يؤكد أن الأزمة ليست أزمة شعب، وإنما أزمة أدوات وآليات عمل سياسي تحتاج إلى مراجعة وتطوير. إن استعادة المبادرة الوطنية تبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسة الوطنية الجامعة، عبر تطوير مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتفعيلها، وتعزيز المشاركة الديمقراطية فيها، بحيث تصبح أكثر قدرة على تمثيل جميع التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، وإشراك الأجيال الشابة وأصحاب الكفاءات والخبرات في صناعة القرار الوطني. كما أن تجديد الوعي الوطني يقتضي إعادة بناء الثقافة السياسية الفلسطينية على أساس أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام في الهوية أو تنازع على الشرعية الوطنية. فالتعددية السياسية كانت دائماً أحد عناصر قوة الحركة الوطنية الفلسطينية عندما بقيت محكومة بإطار وطني جامع، لكنها تتحول إلى عنصر ضعف عندما تصبح بديلاً عن المرجعية الوطنية الواحدة. ومن الضروري أيضاً إعادة الاعتبار لدور الفكر والثقافة في المشروع الوطني. فقد كانت الحركة الوطنية الفلسطينية، في مراحلها الأولى، تعتمد على المثقف والمناضل والإعلامي والأكاديمي في صياغة الوعي العام، وإنتاج خطاب سياسي قادر على مخاطبة الفلسطينيين والعالم بلغة الحقوق والقانون والعدالة. واليوم، تزداد الحاجة إلى خطاب وطني عقلاني يجمع بين الثبات على الحقوق والانفتاح على أدوات العصر، ويخاطب الأجيال الجديدة بلغة المستقبل دون التفريط بالثوابت. ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في الإنسان الفلسطيني، الذي كان ولا يزال الركيزة الأساسية للمشروع الوطني. فالتعليم، والبحث العلمي، وبناء المؤسسات، ورعاية الكفاءات، وتعزيز ثقافة المشاركة والمساءلة، كلها عناصر تعزز صمود المجتمع الفلسطيني وتمنحه القدرة على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن الاحتلال يراهن على استنزاف الزمن، وعلى تعميق الانقسام، وعلى إضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية. ولذلك فإن الرد الحقيقي لا يكون بردود الفعل المؤقتة، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته الوطنية، وترسيخ مبدأ أن منظمة التحرير الفلسطينية ليست مجرد إطار سياسي، بل هي المشروع الوطني الجامع الذي تتكامل داخله كل الطاقات الفلسطينية. لقد علمتنا التجربة أن الشعوب التي تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً، ومؤسسات شرعية، وقيادة قادرة على تجديد نفسها، تستطيع أن تتجاوز أصعب الأزمات. أما الشعوب التي تستسلم للانقسام أو للصراعات الداخلية، فإنها تمنح خصومها فرصة تحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بالقوة. إن المرحلة الراهنة تفرض على النخب السياسية والفكرية الفلسطينية مسؤولية تاريخية، تتمثل في إعادة إنتاج الوعي الوطني على قاعدة الشراكة، واحترام المؤسسات، وتجديد الخطاب السياسي، وتعزيز وحدة الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده. فالمستقبل لن تصنعه الشعارات وحدها، وإنما تصنعه الإرادة الوطنية، والعمل المؤسسي، والالتفاف حول المرجعية الوطنية الجامعة. ويبقى الدرس الأهم الذي قدمته التجربة الفلسطينية أن المشروع الوطني لا يقاس بظروف مرحلة بعينها، وإنما بقدرته على الاستمرار والتجدد. ومن هنا، فإن حماية منظمة التحرير الفلسطينية، وتطويرها، وتجديد دورها القيادي، ليست مهمة تنظيمية فحسب، بل هي مسؤولية وطنية تتعلق بالحفاظ على الهوية السياسية للشعب الفلسطيني، وصون حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أرضه الوطنية.
