غزة/ البوابة 24- جنين الوادية
أن تئن تحت ثقل المرض فذلك قدرٌ مقدور، أما أن تُجبر على سحب أنفاسك الأخيرة فوق عربة تهتز، تلازمك جرة أكسجين كأنها حارس الموت، في طريق مدمّر بين مواصي خانيونس ومجمع ناصر الطبي جنوبي قطاع غزة، فذلك هو الموت مكررًا ثلاث مرات في كل أسبوع -هكذا يصف حسن أبو حميد رحلة علاجه-.
في خيمة نزوحه، يعيش الجد وهو في السبعينيات من عمره، صراعًا مع الزمان والجسد، 12 عامًا مضت منذ أن داهمه الفشل الكلوي، يرافقه حليف ثقيل هو هشاشة العظام التي نخرت جسده حتى أقعدته تمامًا وحرمته القدرة على السير.
يخبرنا أنه مع اندلاع الحرب، تحول العلاج من رحلة طبية شاقة إلى ملحمة مكابدة يومية؛ إذ ينطلق أبو حميد برفقة أبنائه قبل موعد الجلسة بساعات طويلة للتغلب على مسافات الطريق المقطوعة وتداعيات أزمة المواصلات الخانقة.
يتناوب الأبناء على دفع الكرسي المتحرك فوق طرقات تجرفها الحفر وتملؤها أنقاض الركام، وتغطس عجلاتها في الرمال الشديدة، وفي أحيان أخرى، حين تعجز سواعد الأبناء أو يتفاقم وضع والدهم الصحي، تُستبدل بالكرسي عربة بدائية تجرها دابة، حيث تُربط جرة الأكسجين بجانبه لتمده بالهواء وسط أتربة الطريق.
يقول أبو حميد: "أبكي على حالي، أخرج قبل الموعد بساعات تحت لهيب الشمس الحارقة، يتصبب العرق من أبنائي وأسمع صوت لهاثهم وهم يجرونني على الكرسي المتحرك".
لم تكن هذه "الفاجعة بحسب وصفه، قدرًا فرديًا له وحده، بل هي قدر عائلي ثقيل بامتياز؛ إذ يُعاني أربعة من أشقائه المرض ذاته، وبينما استُشهدت إحدى شقيقاته خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، بقى هو وإخوته الثلاثة يقتسمون أيامهم بين أسرة المستشفيات وأرضيات الخيام، يعيدون كرّة الرحلة ذاتها كل بضعة أيام دون متسع للراحة.
وعلى الجانب الآخر من التغريبة الإنسانية، ترسم الطفلة رواء الدعمة (15 عامًا) ملامح معاناة من نوع آخر، حيث أضحت حياتها مقسومة بصرامة بين جنبات المستشفى وزوايا خيمة نزوحها في مدينة غزة.
لم تبدأ حكاية رواء مع المرض في الحرب، بل يعود جذرها إلى طفولتها المبكرة؛ ففي سن الثانية شُخِّصت بمرض في القلب وخضعت لعملية جراحية دقيقة، لتبدأ لاحقًا رحلة علاج مرتبطة بالكلى وضعتها تحت طائلة نظام غذائي مشدد يفرض الابتعاد عن السوائل الضارة وتقليل الملح.
ورغم تلك التحديات، تمسكت رواء بطفولتها؛ ارتادت مدرستها بانتظام حتى الصف التاسع، وكانت تقضي أوقاتها مع صديقاتها وتخرج مع أسرتها إلى شاطئ البحر، متقبّلة علاجها المنتظم دون أن يطغى على تفاصيل حياتها.
غير أن اندلاع الحرب انتزع "السكينة الإنسانية" منها؛ إذ استُشهدت شقيقتها، ودُمِّر منزل العائلة في جباليا، فاقتُلعت الأسرة من منطقتها ونزحت نحو جنوبي القطاع.
وفي رحلة النزوح القاسية، تغيّرت تفاصيل الحياة اليومية الأساسية، لا سيما الطعام والماء، اضطرت العائلة للاعتماد على الأطعمة المعلبة والذرة وخبز الشعير، ومع انقطاع المياه النظيفة، كان اللجوء اضطراريًا لمياه الآبار الملوثة أو الخبز القاسي الشديد الجفاف.
بالنسبة لمريضة كلى، لم تكن هذه التغيرات مجرد شظف عيش، بل كانت تحولًا خطيرًا أدى لتدهور سريع في وظائف الكلى وارتفاع نسبة الفشل الكلوي، لتبدأ مرحلة الغسيل المنتظم بمعدل ثلاثة أيام أسبوعيًا، ممتدة بين ثلاث وأربع ساعات للجلسة الواحدة.
احتمل جسد الطفلة الغض تركيب قسطرة في يدها، ثم قسطرة أخرى في فخذها بعد تعطل الأولى مرارًا، فتحولت الجلسات إلى مصدر رعب دائم من الإبر الضخمة، حيث تعبر رواء عن ألمها العميق بالقول: "لما يحطوا الإبر في إيدي بحس روحي بتطلع".
تبدأ رواء يومها الخروج صباحًا برفقة أحد إخوتها الثلاثة الذين يتناوبون على مرافقتها، وتعود في فترة ما بعد الظهر منهكة للغاية، يضيع باقي يومها في محاولة استرداد القوة، وتواجه أحيانًا صعوبة قاسية في العودة للمنزل جراء نقص المواصلات، ما يضطرها للمشي مسافات طويلة رغم إرهاق الغسيل.
تفرض حالتها قيودًا حارمة على الطعام والشراب؛ فحتى الماء لا تستطيع شربه بحرية وتتركه رغم العطش، وتتجنب الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم، ورغم الحرمان ورؤية الفتيات يبكين بالمشفى، تتمسك بأمل السفر لزراعة كلية بعد تبرع والدتها بها، وتحلم بالعودة للمدرسة وأن تصبح مستقبلاً طبيبة كلى لتخفف الألم عن غيرها.
ولا تقف هذه المعاناة عند حدود الأطفال والمسنين، بل تلتهم أمل الشباب في زهرة أعمارهم، كما هو الحال مع مهند الحرازين (30 عامًا).
كان مهند يعمل في مجال العلاقات العامة بأحد الجامعات ويقيم في حي الشجاعية شرقي غزة، بدأت معاناته الصحية قبل الحرب بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم، واللذين أدا بدورهما إلى تدهور وظائف الكلى، تلقى مهند علاجًا أوليًا في مصر وعاد إلى غزة مزودًا بجهاز غسيل وتعليمات طبية صارمة.
أتت الحرب والنزوح القسري من الشجاعية إلى دير البلح لتعصف بكل ترتيبات العلاج، أدى سوء التغذية والضغط النفسي ونقص المستلزمات الطبية إلى تدهور حاد تمثل في الغثيان والقيء المتكرر، ونُقل على إثره إلى مستشفى شهداء الأقصى ليخوض مسار الغسيل المنتظم.
يتحدث الشاب بأن رحلة الوصول للمستشفى تكاد تكون أشد ألمًا من عملية الغسيل نفسها؛ إذ تحتم عليه التنقل في ظل القصف الجوي والمدفعي المستمر، أحيانًا بالسير وأحيانًا على عربة تجرها دابة، أو بسيارة مهترئة تقطع أنفاسه من رائحة الزيت المستخدم لتشغيلها في ظل انقطاع الوقود جراء الحصار الإسرائيلي.
ويضيف: "كذلك المخاطر الأمنية وبعد المسافة يحولان دون انتظام جلساتي أحيانًا، ليتراجع عددها من ثلاث جلسات أسبوعيًا إلى جلسة أو جلستين فقط، ما أدى لظهور أعراض جسدية مؤلمة كاحتباس السوائل وتورم الوجه والساقين والبطن".
وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الصحة بغزة تحذيرات عديدة كان آخرها في الثلاثين من يونيو/ حزيران لعام 2026، أعلنت فيها عن توقف نحو 50% من أجهزة غسيل الكلى عن العمل نتيجة النقص الحاد والمُقلق في مادة بيكربونات الصوديوم الضرورية لتشغيل الأجهزة، إلى جانب العجز الحاد في الوقود والمستلزمات الطبية الأساسية.
وأكدت الوزارة أن أي تقليص في عدد الجلسات أو مدتها الزمنية يحمل تداعيات خطيرة قد تؤدي مباشرة إلى الوفاة في صفوف المرضى، الذين يعتمد بقاؤهم قيد الحياة على هذه الجلسات الدورية لتنقية دماء أجسادهم المنهكة.
