غزة/ البوابة 24- إسلام أيمن:
في غزة، لا تبدأ الولادة عند أول انقباضة ولا تنتهي بوصول الطفل إلى حضن أمه. في أحيان كثيرة تبدأ قبل ذلك بكثير.. منذ اللحظة التي تبحث فيها الحامل عن طريق آمن إلى المستشفى، وعن سيارة إسعاف يمكنها الوصول إليها، وعن طبيب يملك ما يكفي من الأدوات ليحفظ لها ولجنينها حقهما في النجاة.
بالنسبة لآلاء العايدي، بدأت الحكاية وهي في شهرها السادس من الحمل، حين اضطرتها الحرب إلى النزوح من شمالي قطاع غزة إلى مدينة دير البلح مطلع فبراير/شباط 2024م. لم تكن تعرف أن رحلة الفرار من القصف ستقودها إلى خيمة تصبح -بعد أشهر قليلة- غرفة ولادة!
كانت آلاء قد لجأت إلى خيمة قريبة من أحد مراكز الإيواء، حيث عاشت ثلاثة أشهر في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الصحة والحياة، وعندما داهمها المخاض، لم يكن الطريق إلى المستشفى متاحًا: الاتصالات مقطوعة، وسيارة الإسعاف غير متوفرة، والدمار يحاصر طرق الوصول.
تقول: "أجبرتني الحرب على الولادة داخل خيمة قريبة من أحد مراكز الإيواء.. عانيت من آلام لا توصف، دون وجود أي طبيب أو قابلة".
تجمعت نساء المخيم حولها في تلك الليلة، وأنرن المكان بإضاءة هواتفهن المحمولة. وُلد الطفل في بيئة غير صحية، ولُفّ بفوطة غير ملائمة، وبقي حبله السري دون قطع طوال الليل، قبل أن تتمكن الأسرة من الوصول به إلى المستشفى بواسطة عربة يجرها حمار، وبعد أربعة أيام قضاها في حضانة حديثي الولادة، أُبلغت آلاء بوفاته نتيجة مضاعفات الولادة والظروف الصحية التي رافقتها.
لم تفقد آلاء طفلها وحده، فقد كادت أن تفقد حياتها أيضًا إثر نزيف حاد، في وقت لم تكن فيه الأدوية والمستلزمات الطبية متاحة بالقدر الذي تحتاجه حالتها.
بعد عامين تقريبًا، لم تعد قصة الولادة في غزة مرتبطة فقط بالخيام التي بدأت تستقبل المخاض، بل امتدت إلى نساء يصلن إلى نقاط الرعاية الطبية في ظروف تجعل الحصول على أبسط إجراءات الولادة الآمنة معركة بحد ذاتها.
في يناير/كانون الثاني 2026، روت امرأة فلسطينية تُدعى وفاء لـصحيفة الإندبندنت (The Independent)، أنها كانت نائمة داخل خيمتها حين بدأ مخاضها بعد أن غمرتها مياه الأمطار.
لم تكن هناك شبكة اتصال لطلب سيارة إسعاف، فحملها أفراد من عائلتها وجيرانها على "مرتبة" وسط المطر، قبل نقلها إلى سيارة أوصلتها إلى نقطة طبية في المواصي جنوب القطاع.
هناك، وضعت طفلها من دون مسكنات للألم، وخضعت لإجراء تنظيف للرحم من دون تخدير، وبعد الولادة، حملت طفلها زين وعادت به إلى خيمتها تحت المطر.
قالت للصحفي آنذاك: "الصدمة والخوف ونقص الغذاء أدت إلى جفاف حليبها، كما عانى طفلها من حساسية تجاه الحليب الصناعي. وبعد أسبوعين، أصابت غارات المنطقة التي تقيم فيها، وقُتل عدد من أفراد عائلتها، بينهم والدتها وابنة شقيقتها، فيما أصيب والدها بجروح خطيرة، قبل أن تفقده لاحقًا متأثرًا بإصابته".
بين القصتين، تمتد مسافة زمنية قصيرة، لكن القاسم واحد: امرأة تدخل أكثر مراحل حياتها هشاشة، فلا تجد حولها منظومة صحية قادرة على توفير الحماية التي يفترض أن تكون حقًا أصيلًا لا امتيازًا مؤقتًا.
وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن نحو 50 ألف امرأة حامل كنّ في قطاع غزة في مارس/آذار 2026م، مع تسجيل ما يقارب 160 إلى 180 ولادة يوميًا.
وفي ظل النقص الحاد في الأسرّة، كانت نساء يخضعن لعمليات كبرى، بينها العمليات القيصرية، ويغادرن المستشفيات بعد ساعات قليلة ويعدن إلى أماكن نزوح مكتظة، بما يزيد مخاطر المضاعفات والعدوى.
كما أثرت القيود على إدخال المعدات الطبية في توافر أجهزة الموجات فوق الصوتية والحاضنات ووحدات الأمومة المتنقلة.
ولم تتوقف مؤشرات الخطر عند الولادة، ففي النصف الأول من عام 2026م، وثّقت الأمم المتحدة أكثر من (3950) حالة إجهاض في قطاع غزة، فيما ارتفع معدل فقدان الحمل إلى 208.5 حالة لكل ألف ولادة حية، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المعدل المسجل في النصف الثاني من عام 2025م، كما كانت (57.1%) من النساء الحوامل يعانين فقر الدم.
ويؤكد الكاتب والباحث الحقوقي مصطفى إبراهيم، أن الحماية الواردة في المادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة تمتد لتوفير مظلة حماية شاملة للحوامل والنفاس والمواليد، تشمل الإمدادات الطبية والرعاية المستمرة طوال مراحل الحمل وما بعد الولادة.
ويرى إبراهيم أن ما جرى في غزة يقف على طرف نقيض من هذا الإطار الإنساني، إذ توثق المؤسسات الحقوقية -بحسبه- نمطًا يستهدف الحوامل ضمن ما يصفه بـ"منع الإنجاب"، باعتباره توجهًا إسرائيليًا يهدف إلى ضرب الديمغرافيا الفلسطينية وتقليل أعداد السكان، ولا سيما بين النساء والأطفال.
ويستشهد إبراهيم ببيانات منظمة الأمم المتحدة للمرأة التي توثق استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023م، وديسمبر/كانون الأول 2025م، إلى جانب البيانات الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الصادرة في 4 مارس/آذار 2026م، التي سجلت استشهاد أكثر من 12,500 امرأة ضمن حصيلة بلغت 72,117 شهيدًا.
وينبه الباحث الحقوقي إلى أن الحق في الحياة والحق في الصحة الإنجابية خيطان غير قابلين للانفصال، إذ تتحول تجربة الحمل في ظل غياب المكان الآمن والتغذية والرعاية الطبية إلى خطر داهم.
ويشدد على أن غياب الرعاية لم يكن أمرًا عرضيًا، بل نتج عن التدمير المباشر للمراكز الصحية، ومنع الفحوصات والأدوية الأساسية، ومنها أدوية تثبيت الحمل ومضادات النزيف، عادًا إجبار النساء على الولادة في ظروف تفتقر إلى التعقيم والتخدير يمثل صورة صريحة للانتهاك المباشر لخدمات الطوارئ التوليدية والحق في الحياة.
ويخلص الباحث الحقوقي إلى أن هذه الممارسات المتكاملة تُكيَّف قانونيًا بوصفها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وقد تندرج ضمن أركان جريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية عام 1948م، من خلال منع الإنجاب وإخضاع الجماعة لظروف معيشية تستهدف هلاكها الشامل.
وهنا تبدأ المسألة في تجاوز حدود الأزمة الصحية إلى نطاق القانون الدولي، فالقانون الدولي الإنساني لا يتعامل مع النساء الحوامل بوصفهن فئة مدنية عادية فحسب، بل يمنحهن حماية خاصة.
وتنص المادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م على أن النساء الحوامل يجب أن يكن موضع "حماية واحترام خاصين"، ضمن الفئات التي تحتاج إلى حماية بسبب وضعها الصحي والإنساني.
ولا تقف الحماية عند هذا النص، فالمادة (12) من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تلزم الدول الأطراف بضمان حصول النساء على خدمات مناسبة في ما يتعلق بالحمل والولادة وفترة ما بعد الولادة، إلى جانب توفير التغذية الكافية أثناء الحمل والرضاعة.
كما يرتبط الحق في الرعاية أثناء الحمل والولادة بالحق الأوسع في الصحة، وهو حق تقرّه منظومة حقوق الإنسان الدولية، بما يجعل تدمير المرافق الصحية، وتعطيل الوصول إلى الرعاية التوليدية، ونقص الأدوية والمستلزمات، وقائع لا يمكن عزلها عن الالتزامات القانونية المتعلقة بحماية المدنيين.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية ووكالات أممية أن نساء غزة واجهن منذ الأشهر الأولى للحرب عوائق جسيمة أمام الحصول على خدمات الولادة الآمنة، واضطر بعضهن إلى الولادة داخل الملاجئ والمنازل والشارع وبين الركام، في وقت كانت فيه المنشآت الصحية تتعرض لأضرار جسيمة أو تتوقف عن العمل.
أما على مستوى القانون الجنائي الدولي، فالمسألة أكثر تعقيدًا، وتتطلب الحذر في التكييف، فالمادة الثانية من اتفاقية "منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" تدرج ضمن الأفعال التي قد تشكل إبادة جماعية، إذا اقترنت بالقصد الخاص لتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا، "فرض تدابير تستهدف منع الولادات داخل الجماعة"، إلى جانب القتل، وإلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الجسيم، وفرض ظروف معيشية يُراد بها إحداث تدمير مادي للجماعة".
غير أن مجرد وقوع انتهاكات جسيمة بحق الحوامل لا يكفي، من الناحية القانونية، وحده، لإثبات جريمة الإبادة الجماعية؛ إذ يتطلب هذا التكييف إثبات القصد الخاص، أي نية تدمير الجماعة المحمية، كليًا أو جزئيًا.
ومهما كانت فداحة الوقائع، الا ان الوقائع الموثقة تطرح سؤالًا قانونيًا أكثر إلحاحًا، وهو: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية متعذرًا على نحو واسع، وتتحول الولادة من إجراء طبي يفترض أن يتم في بيئة آمنة إلى تجربة تجري في خيمة غمرتها المياه، أو تحت القصف، أو من دون مسكنات، أو في منشأة مكتظة تفتقر إلى المعدات؟
في غزة، لا يبدأ الخطر الذي يواجه المرأة الحامل عند باب غرفة الولادة، ولا ينتهي عند خروجها منها، إنه يبدأ أحيانًا من الطريق إليها، ومن الخيمة التي تعيش فيها، ومن الماء الذي لا تجده، والغذاء الذي لا يكفي، والدواء الشحيح، والمستشفى الذي قد لا يكون قادرًا على استقبالها..
حين تُحرم امرأة من الظروف الضرورية لولادة آمنة، هل تبقى الرعاية الصحية حقًا مكفولًا، أم تتحول النجاة نفسها إلى امتياز لا تستطيع الحرب أن تضمنه؟
