كيف يواجه ذوو الإعاقة في غزة صعوبة قضاء حاجاتهم في أماكن النزوح؟

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- سماح شاهين:

تراقب ليان عسلية، ذات الأعوام السبعة، أشقاءها وهم يتجهون إلى الحمام، فيما تبقى هي في مكانها، عاجزة عن اللحاق بهم. منذ أن تركتها إصابة خلال الحرب مشلولة، لم يعد قضاء حاجتها تفصيلًا عابرًا في يوم طفلة؛ صار موعدًا مع الانتظار، والحمل، والخوف من ألا تجد مكانًا تستطيع استخدامه.

في خيمة النزوح، تستخدم ثلاث عائلات حمامًا مشتركًا في موقع النزوح، لكنه لا يبدو مهيأً لطفلة على كرسي متحرك أو لشخص يحتاج إلى من يساعده على الانتقال. لا مساحة كافية، ولا تجهيزات تعينها على الجلوس، ولا وسيلة تجعل دخولها وخروجها آمنًا. وحتى حين تحتاج إليه، قد تجد نفسها مضطرة إلى الانتظار، بينما جسدها لا يمنحها هذا الوقت.

على بُعد خطوات، تحاول والدتها ابتسام أن تجد حلًا لا يملك أحد رفاهية اختياره. هي حامل في شهرها السادس، وحمل طفلتها ونقلها إلى الحمام لم يعد مهمة تستطيع القيام بها في كل مرة. لذلك أصبحت الحفاضة بديلًا قاسيًا عن باب حمام لا تستطيع ليان عبوره.

ليان عسلية.jfif
 

لا تسأل ليان عن سبب عجزها عن المشي فقط؛ تسأل أمها لماذا ترتدي حفاضة بينما لا يرتديها أشقاؤها. سؤال طفولي صغير، لكنه يكشف واقعًا أكبر: في أماكن النزوح، قد يكون الحمام موجودًا، لكن ليس بالضرورة متاحًا لمن يحتاج إليه أكثر.

ومع حمل ابتسام في شهرها السادس، لم تعد قادرة على مساعدة ابنتها في كل مرة، فأصبحت الحفاضات البديل المتاح أمام الأسرة. تحتاج ليان إلى نحو خمسة حفاضات يوميًا، وهو عبء إضافي على أسرة تعاني أصلًا من صعوبة تأمين احتياجاتها الأساسية في ظل غياب مصدر دخل ثابت لوالدها.

لكن الحفاضة بالنسبة إلى ليان ليست مجرد وسيلة لقضاء الحاجة؛ فهي تذكرها يوميًا باختلاف فرضته الإصابة عليها. كثيرًا ما تسأل والدتها: "لماذا أنا أرتدي الحفاضات وأشقائي لا؟"، بعدما أصبحت ترى أشقاءها يدخلون الحمام ويخرجون منه دون مساعدة، بينما تحتاج هي إلى من يحملها أو إلى بديل لا تختاره.

حمام.jfif
 

ولا تختلف قصة ليان كثيرًا عن قصة حماد ومعتصم، الشقيقين اللذين تعيش والدتهما سمر فخري عرفات معهما في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة. فكلاهما يعاني من مرض وراثي نادر في العظام تسبب بتشوهات جسدية شديدة وفقدان القدرة على الحركة، ما يجعلهما بحاجة إلى مساعدة دائمة في الانتقال وقضاء احتياجاتهما اليومية.

بالنسبة إلى سمر، لا تكمن المشكلة فقط في عدم قدرة نجليها على الحركة، وإنما في أن المكان الذي نزحت إليه الأسرة لا يوفر لهما حمامًا يمكن الوصول إليه واستخدامه بصورة آمنة. فالوصول إلى دورة المياه يتطلب حملهما ونقلهما، وهي مهمة كانت تتقاسمها مع أحد أبنائها قبل أن تفقده، بينما أصبحت اليوم تواجهها وحدها رغم عدم قدرتها الجسدية على حملهما بشكل متكرر.

معتصم وحماد.jfif
 

تقول سمر إن الحمامات الموجودة في مركز الإيواء غير مجهزة للأشخاص الذين فقدوا القدرة على المشي، ما يجعل استخدامهما لها شبه مستحيل. ومع عدم وجود شخص يساعدها بصورة منتظمة، اضطرت إلى استخدام الحفاضات لنجليها، اللذين يحتاجان معًا إلى نحو ثماني أكياس شهريًا.

ولا يقتصر العبء على تأمين الحفاضات؛ فكل عملية تغيير وتنظيف تعني حاجة إضافية إلى المياه والوقت والخصوصية، فضلًا عن الأدوية والفحوصات والعلاجات ووسائل الحركة التي يحتاج إليها الشقيقان. وفي ظل ظروف النزوح وتراكم الديون وغياب مصدر دخل ثابت، تصبح حتى الاحتياجات الأساسية عبئًا يصعب على الأسرة تحمله.

معتصم وحماد عرفات1.jfif


معتصم وحماد عرفات.jfif
 

وفي جنوب القطاع، يعيش عبد الله القيشاوي، البالغ 69 عامًا، تجربة أخرى من المشكلة نفسها. فقد كان الرجل، الذي يعاني من إعاقة حركية منذ ولادته، يعتمد قبل الحرب على مرحاض منزله رغم صعوبة حركته. لكن قصف منزل العائلة أجبره وزوجته نعيمة على النزوح، لينتقل من مساحة يعرفها ويستطيع التعامل معها إلى خيمة تفتقر إلى مرافق صحية ملائمة لحالته.

في الخيمة، لم يعد الوصول إلى الحمام أمرًا بسيطًا، إذ يحتاج عبد الله إلى المساعدة في الحركة، بينما لا توفر المرافق المتاحة التجهيزات التي تمكنه من استخدامها باستقلالية وأمان. ومع ارتفاع كلفة إنشاء مرحاض مناسب للخيمة، والتي تقول الأسرة إنها وصلت إلى نحو 1500 شيكل، لم يتمكن الزوجان من تأمينه.

9858c7b7-2637-45d3-96c2-9f4b9a1c7c42.jfif
 

اضطرت نعيمة، في ظل غياب البديل، إلى استخدام الحفاضات لمساعدة زوجها على قضاء حاجته. لكن الحل الذي يفترض أن يكون مؤقتًا تحول إلى عبء يومي آخر، فهي مطالبة بتأمين الحفاضات وتغييرها وتنظيف زوجها، في وقت تعاني فيه الأسرة أصلًا من شح المياه وغياب المرافق المناسبة.

ولا تبدو معاناة ليان وحماد ومعتصم وعبد الله حالات فردية، إذ يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة في غزة صعوبة في الوصول إلى مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة، التي تعاني أصلًا نقصًا حادًا.

وبحسب بيانات أوردتها منظمة ACAPS، بلغ متوسط عدد الأشخاص لكل مرحاض في غزة، في 13 ديسمبر/كانون الأول 2023، نحو 372 شخصًا، وفق بيانات الأونروا ومنظمة الصحة العالمية، مقابل معيار موصى به يقضي بتوفير مرحاض واحد لكل 20 شخصًا وفق المنظمة الدولية للهجرة. 

وأشار تقييم ACAPS إلى أن مرافق المياه والصرف الصحي والنظافة تفتقر أيضًا إلى تعديلات الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة؛ فبعض المراحيض في مراكز الإيواء الجماعي تتطلب القرفصاء ولا تلائم احتياجات صحية أو جسدية محددة.

وبحسب التقييم، دفعت صعوبة الوصول إلى المراحيض المشتركة بعض الأشخاص ذوي الإعاقة إلى تقليل استهلاكهم من الطعام والشراب لتجنب الحاجة إلى استخدامها. 

حمامات.jfif
 

وفي النصف الأول من عام 2026، قالت اليونيسف، في تقريرها للوضع الإنساني رقم 48 الذي يغطي الفترة من 1 يناير/كانون الثاني إلى 30 يونيو/حزيران 2026، إنها ركبت 2,339 مرحاضًا عائليًا، بينها 1,497 مرحاضًا يراعي احتياجات كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، كما وزعت 2,026 كرسي مرحاض متحركًا للأشخاص ذوي الإعاقة.

وبذلك، لا تتعلق الحاجة إلى هذه المرافق بتوفير خدمة إضافية، بقدر ما تتعلق بجعل مرفق أساسي قابلًا للاستخدام من أشخاص لا يستطيعون الوصول إلى الحمام التقليدي أو استخدامه دون مساعدة.

البوابة 24