دروع من ورق وقوانين على الورق.. لماذا عجزت منظومة سلامة الصحفيين في غزة عن حمايتهم؟

تشييع جثامين الصحفيين الخمسة الذين ارتقوا جراء قصف الاحتلال على مستشفى ناصر بخان يونس
تشييع جثامين الصحفيين الخمسة الذين ارتقوا جراء قصف الاحتلال على مستشفى ناصر بخان يونس

غزة/ البوابة 24- سحر هشام غانم:

سجلت اسرائيل خلال حرب الإبادة التي شنتها على قطاع غزة في أكتوبر 2023م، سبقًا إجراميًا في سجل الجرائم المرتكبة بحق الصحفيين، بعد أن جعلت الخوذ، والسترات الواقية، وسيارات البث في دائرة استهدافها الاستخباري والعسكري، فعلى مدار قرابة الثلاث سنوات من عمر الإبادة، قتلت اسرائيل ما يقارب 264 صحفيًا، واعتقلت 38، أما عدد الجرحى الصحفيين فقد بلغ 572 جريحًا، وذلك بحسب آخر إحصائية نشرتها نقابة الصحفيين الفلسطينيين، وتمثل هذه الحصيلة أعلى عدد من الضحايا في صفوف الصحفيين منذ بدء توثيق وفياتهم عام 1992م، وهي أرقام أثارت التساؤلات حول إجراءات السلامة الأمنية ومدى تطبيقها من قبل الصحفيين الغزيين تحديدًا، وما إذا كانت أصلًا تلك الإجراءات ذات جدوى مع ما أبدته اسرائيل من عداء وإجرام غير مسبوق بحقهم، حتى وصل الأمر إلى التحريض المباشر والصريح على بعض الصحفيين في وسائل الإعلام الإسرائيلية، ليصبح الصحفي من ناقل للخبر إلى خبر بحد ذاته. كما أن المخاطر المحدقة بالصحفيين لم تقتصر على الميدان فحسب، بل امتدت للبنية التحتية للإعلام وعائلات الصحفيين أنفسهم، فتم قصف وتدمير عشرات المقرات والمكاتب الصحفية والمحطات الإذاعية والتلفزيونية واستهداف عائلات الصحفيين كما حدث مع عائلة الصحفي وائل الدحدوح وغيره.

epa.webp
Epa


 

وقبل أن نخوض في تفاصيل التقرير الذي نتناول فيه واقع السلامة الشخصية للصحفيين في قطاع غزة، نشير إلى أن الصحفي في نظر القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف يعامل معاملة المدنيين، وبناء عليه فهو شخص محايد وليس طرفًا في أي نزاع.

والمتابع لموضوع السلامة المهنية للصحفيين في قطاع غزة يعلم تمامًا أن الصحفي الغزي يعاني عجزًا لوجستيًا، تحديدًا فيما يتعلق بمعدات الحماية والسلامة الصحفية، حيث تمنع اسرائيل ادخال الدروع الواقية والخوذ ومعدات الإسعاف الأولي، وهو ما اضطر الصحفيين لاستخدام أدوات بدائية أو سترات بالية ومتهالكة لا توفر أي حماية فعلية أمام القصف العنيف والعشوائي، وفي كثير من الأحيان يتبادل الصحفيون فيما بينهم السترات الواقية، إضافة الى غياب مقرات أو مساحات عمل آمنة ليمارس فيها الصحفيون عملهم؛ فنجد أن الخيام ومراكز النزوح قد تحولت إلى أماكن عمل ومأوى في نفس الوقت، وقد تعرضت للقصف المتكرر والمتعمد سيما المقامة بالمستشفيات أو حولها، كخيام الصحفيين بجوار مجمع الشفاء الطبي ومستشفى ناصر ومستشفى شهداء الأقصى، مما أوقع مجازر جماعية بحق طواقم البث والصحفيين والنشطاء.

وإذا ما طرحنا تساؤلًا حول حالات قتل الصحفيين وما تكشفه عن واقع السلامة الأمنية خلال الحرب على غزة، نجد ومن خلال الحالات الموثقة وشهادات الصحفيين وشهود العيان أن الصحفي الغزي يعمل في بيئة شديدة الخطورة، لم يعد فيها الخطر مرتبطًا فقط بالاقتراب من مواقع الأحداث لتغطيتها وهو أحد أبرز مصادر الخطر، وإنما أصبح ملازمًا لمختلف مراحل العمل الصحفي، بدءًا من الوصول إلى موقع الحدث، مرورًا بالتغطية والتوثيق، وصولًا إلى مغادرة المكان أو إجلاء الصحفي المصاب.

ومن أبرز التحديات التي واجهت الصحفي خلال الحرب على غزة صعوبة تحديد المكان الآمن، فالمكان الذي يُعتقد أنه أكثر أمانًا قد يتحول في لحظات إلى موقع استهداف، مثلنا حدث يوم 10 أكتوبر 2023، عندما لجأ عدد من الصحفيين إلى عمارة بابل باعتبارها موقعًا يحميهم من القصف بعد تحذير باستهداف برج حجي المجاور، إلا أن القصف طال العمارة التي كان الصحفيون يحتمون بها، ما أدى إلى استشهاد كل من سعيد الطويل ومحمد أبو رزق وهشام النواجحة ، وتشير شهادة الصحفي مصطفى جعرور إلى أن الصحفيين كانوا يحاولون اتخاذ موقع يوفر لهم قدرًا من الحماية، وأن سعيد الطويل كان في الوقت نفسه يحاول إخلاء المواطنين من المكان، قبل أن يتضح لاحقًا أن المبنى الذي لجأ إليه الصحفيون هو نفسه الذي تعرض للقصف.

ومن أخطر ما تكشفه شهادات الصحفيين أن إصابة الصحفي لا تعني انتهاء الخطر، بل قد تبدأ بعدها مرحلة أكثر خطورة، ففي حادثة استشهاد مصور الجزيرة سامر أبو دقة ومراسل الجزيرة وائل الدحدوح، استمر القصف على المنطقة بعد إصابة الصحفيين، ما حال دون وصول فرق الإسعاف إلى المكان لنحو خمس ساعات. وبقي أبو دقة والعاملون في الدفاع المدني مصابين في الموقع إلى أن تمكنت فرق الإسعاف من الوصول بعد تنسيق عبر الصليب الأحمر، وتظهر شهادة وائل الدحدوح أنه، رغم إصابته وعدم اتزانه ونزيفه، اضطر إلى مغادرة المكان سيرًا على الأقدام، لأنه أدرك أن بقاءه في الموقع قد يمنع الآخرين من الوصول إليه، كما أشار إلى سماعه زميله سامر يصرخ بعد إصابته.

Samir-abu-dakka-gaza-press.png
 

وهذا يبرز أهمية أن تتضمن خطط السلامة الصحفية خطة واضحة للإخلاء والتعامل مع الإصابات، وليس فقط إجراءات الوقاية قبل الوصول إلى موقع الحدث

كما أن الانسحاب من منطقة الخطر قد يكون أصعب من الوصول إليها، وهو ما حدث مع مجموعة من الصحفيين من بينهم الصحفية رشا أحمد وإبراهيم محارب وسلمى القدومي، حيث تعرضوا لإطلاق النار من دبابة أثناء تغطية أحداث في منطقة أبراج حمد بخان يونس، مما أدى إلى إصابة الصحفي إبراهيم محارب، فيما حاولت الصحفية رشا سحبه، لكنها اضطرت إلى تركه عندما اشتد إطلاق النار وأصبحت الرصاصات تمر بالقرب منها، وبقي محارب ينزف في المكان إلى أن تم انتشاله شهيدًا في اليوم التالي .

وتوضح هذه الحادثة أن قرار الإخلاء في ظروف الحرب قد يتحول إلى مفاضلة قاسية بين إنقاذ الزميل المصاب والحفاظ على حياة بقية أفراد الفريق.

وتكررت في حالات استهداف الصحفيين الذين كانوا يرتدون السترات والخوذ الصحفية ويحملون معداتهم الإعلامية، كما تعرضت مركبات صحفية تحمل علامات واضحة إلى الاستهداف؛ من بينها سيارة صحافة تابعة لقناة الجزيرة، ومركبة مخصصة للبث الخارجي تابعة لقناة القدس، وهو ما يشير إلى أن إظهار الهوية الصحفية يمثل إجراءً مهمًا للتعريف بالصحفي، لكنه لم يكن كافيًا وحده لضمان السلامة في بيئة العمل الصحفي في قطاع غزة.

رويترز.webp
رويترز


 

كما أن العمل بالقرب من فرق الإنقاذ يضيف مستوى آخر من المخاطر حيث رافق صحفيون فرق الدفاع المدني والطواقم الطبية لتوثيق عمليات الإنقاذ وانتشال الشهداء وقد أدى ذلك إلى تعرضهم للخطر نفسه الذي تواجهه فرق الإنقاذ، ونذكر هنا الصحفي أحمد بكر اللوح الذي استشهد أثناء تغطيته أعمال الدفاع المدني في مخيم النصيرات، إلى جانب ثلاثة من أفراد الدفاع المدني.

وهو ما يعني أن العمل المشترك بين الصحفيين وفرق الإنقاذ يحتاج إلى تقييم مستمر للمخاطر، وعدم افتراض أن وجود طواقم الإنقاذ أو الحصول على تنسيق مسبق للوصول إلى المكان يعني بالضرورة أن المنطقة أصبحت آمنة وأن الصحفي في مأمن.

وتكشف إحدى أكثر الحالات دلالة أن الخطر يمكن أن يستمر حتى أثناء العودة من موقع العمل، فقد كان الصحفيان حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا يعملان في منطقة رفح، ثم تعرضت المركبة التي كانا يستقلانها للقصف أثناء تحركها، ما أدى إلى استشهادهما، وهو ما يؤكد ضرورة تعامل الصحفي مع الحركة والتنقل باعتبارهما جزءًا أساسيًا من خطة السلامة الصحفية، وليس مرحلة منفصلة عن التغطية.

ولا تقتصر المخاطر التي يتعرض لها الصحفيون على مواقع العمل؛ فالصحفيون تعرضوا أيضًا للاستهداف داخل منازلهم، وفي بعض الحالات استشهدوا مع أفراد أسرهم، مثلما حدث مع إيمان الشنطي، وعمر الديراوي، ومحمد صالح البردويل، الذين استشهدوا في استهداف منازلهم أو منازل عائلاتهم، وهذا يوسع مفهوم السلامة الصحفية خلال الحرب؛ إذ لا يمكن التعامل مع مكان السكن باعتباره تلقائيًا مساحة آمنة للصحفي بعد انتهاء ساعات العمل.

ولا بد من التفريق بين الحالات التي تتوافر فيها مؤشرات على استهداف الصحفي بصورة مباشرة، والحالات التي استشهد فيها الصحفيون في سياق الهجمات الواسعة التي طالت مناطق مدنية، فالصحفيون بحكم طبيعة عملهم، يتواجدون في الشوارع والأسواق والمنازل وبالقرب من المرافق المدنية، وبالتالي يتعرضون للمخاطر التي يتعرض لها المدنيون، مع أن بعض الحالات لا تتوفر فيها أدلة كافية للجزم بأنها استهداف فردي متعمد. وهنا تبرز إحدى أهم مشكلات السلامة المهنية وهي صعوبة التنبؤ بمكان الخطر وحدوده في ظل القصف واسع النطاق، وهو ما يجعل تقييم المخاطر عملية مستمرة ينبغي تحديثها مع تغير الوضع الميداني.

وتظهر طبيعة وحجم الاستهدافات التي تعرض لها الصحفيون خلال الحرب على غزة، أن السلامة الأمنية للصحفيين لا تتعلق فقط بارتداء السترة الواقية أو الخوذة أو إظهار الهوية الصحفية، وإنما ترتبط بمنظومة أوسع تشمل تقييم الخطر قبل المهمة، اختيار موقع التغطية، تحديد طرق الانسحاب، التنسيق بين أفراد الفريق، متابعة تغيرات الوضع الميداني، وضع خطط للإخلاء والإسعاف، وتحديد أماكن بديلة عند تحول الموقع إلى منطقة خطرة، كما تكشف شهادات الصحفيون أن بعض المخاطر لا يمكن للصحفي السيطرة عليها بصورة فردية، خصوصًا عندما يستمر القصف أو إطلاق النار، أو عندما تصبح طرق الإخلاء مغلقة أو غير آمنة. ولذلك فإن مسؤولية السلامة لا تقع على الصحفي وحده، وإنما تتطلب أيضًا إجراءات مؤسسية من المؤسسات الإعلامية، تشمل التدريب المتخصص، وتوفير معدات الحماية، وإعداد خطط الطوارئ والاتصال والإخلاء، وتقييم المخاطر بصورة مستمرة.

وتقدم تفاصيل استهداف الصحفيين صورة واضحة عن طبيعة البيئة التي يعمل فيها الصحفيون أثناء الحرب، فالخطر قد يكون في موقع التغطية، وفي طريق الوصول إليه، وفي طريق العودة، وفي محاولة إنقاذ الزميل المصاب، بل وحتى في مكان الإقامة، ومن ثم فإن بناء ثقافة سلامة صحفية خلال الحرب لابد أن يقوم على الاستعداد المسبق، والتقييم المستمر للمخاطر، واتخاذ قرار الانسحاب في الوقت المناسب عندما تتجاوز المخاطر القدرة على السيطرة عليها.

البوابة 24