قراءة في المجموعة القصصية للأطفال "رحلة ليان إلى عالم الأحلام"

محمد سعد العجلة:

صدرت مؤخراً عن دار الصومعة للنشر والتوزيع والترجمة، في القاهرة، مجموعة قصصية للأطفال تحمل اسم "رحلة ليان إلى عالم الأحلام" للكاتبة وفاء حماد، وتقع في 180 صفحة من القطع الكبير، احتلت الرسومات الحيز الأكبر منها، بحيث جاءت كل صفحة من جميع صفحات الكتاب، وكأنها لوحة مكتملة العناصر، يتوفر فيها الإبداع والجمال والتعبير وتشعر وكأنها تكاد تتكلم.

ورغم أن الكتاب خلا من أي تعريف عن الكاتبة، إلاّ أنني عرفت من خلال السؤال، أنها من غزة بفلسطين ومقيمة فيها وعاشت -ولا تزال تعيش- جميع ويلات حرب الإبادة الجماعية حتى كتابة هذه السطور، وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في تدريس اللغة الإنجليزية من إحدى الجامعات الماليزية، وعملت محاضرة في العديد من الجامعات الفلسطينية، وصدرت لها عن نفس دار النشر وبالتزامن مع هذا الكتاب، مجموعة قصصية أخرى بعنوان "قصص في زمن الحرب" 

ما يلفت الانتباه مباشرة في الكتاب الذي بين أيدينا، أن قصصه الثماني عشرة، تناولت بطريقة أدبية راقية موضوعات من قبيل الخيال، والأحلام وما تختزنه من طاقة إيجابية هائلة، والأمل ودوره في توازن الإنسان، والعمل والبحث عن البديل مع عدم اليأس أو القنوط، دون أن تنسى الكاتبة -في جميع القصص- أنها تكتب للأطفال في سن مرحلة الدراسة الابتدائية.

أن تبدع الكاتبة كل هذه القصص دون ذكر للمكان والزمان، بل وتنعتق من ضغطهما وتأثيرهما، فيأتي الكتاب كله خالياً من أي ذكر أو إشارة إلى غزة أو فلسطين أو حرب الإبادة الجماعية وتداعياتها ومفرداتها أو الاحتلال وجرائمه، ليكون كل طفل في هذا العالم قادراً على قراءتها والتأثر بها، فهذا ما لا يستطيع القيام به أي كاتب، لأنه يحتاج إلى قدرات غير عادية، فكيف بنا لو عرفنا أن هذا الكتاب هو تجربتها الأولى؟! 

هذا يعني ببساطة أن مجموعة "رحلة ليان إلى عالم الأحلام" تعلن عن ميلاد كاتبة للأطفال فلسطينية غزية مبدعة وموهوبة. وبإمكان أي وزارة تربية وتعليم أن تقررها على طلاب المرحلة الابتدائية، لما تنطوي عليه من فوائد على مستوى اللغة والخيال والتعلم وزرع القيم وحب القراءة، كل ذلك مع توفر عنصر التشويق. كما يمكن لكثير من قصص الكتاب أن تتحول إلى أفلام كرتون أو اسكتشات مسرحية أو غيرها من الأعمال الفنية.

يجيء في نهاية كل قصة، الخلاصة والعبرة. فعلى سبيل المثال، جاءت نهاية القصة الأولى هكذا: "مر أخوها الصغير من أمامها. اقتربت منه. وربتت كتفه، ثم قالت بابتسامة أنا آسفة لم أفهمك جيدا من قبل. ابتسم الصغير وأمسك يدها دون أن يقول شيئاً. ولم تعد ليان تسأل كيف تبدو الجنة؟ بل شعرت أن الطريق إليها يبدأ من قلب صادق وكلمة طيبة وعمل حسن"

وانتهت القصة الرابعة والتي حملت اسم أجنحة خلقت للتحليق، بقولها: "لقد فهمت شيئا مهما: أننا لا نعرف دائما ما نستطيع فعله حتى نجرب" واختتمت القصة التي تلتها بعبارة "حتى في الأحلام القرار في وقته يصنع الفرق. ثم عادت نافذة الأحلام إلى سكونها، وبقي المعنى في قلبها". وكانت نهاية القصة لتي تحمل اسم فانتازيا الألوان: "إذن الجمال لا يعيش في لون واحد، بل في اجتماعها معاً. وفي الأعلى كانت مملكة الألوان تنظر بصمت جديد. هذه المرة لم يعد هناك جدال"

 

وفي خواتيم قصص أخرى، نجد مثل هذه العبارات:

"الفرح لا يحتاج إلى أن يكتمل. يكفي أن يبدأ" 

"الاختلاف ليس شيئاً نبتعد عنه، بل شيء يمكن أن يجعلنا أقوى عندما نفهمه" 

"البداية الصغيرة في الوقت المناسب يمكن أن تغير الكثير" 

"من يصنع الخير لا يضيعه، بل يجده يعود إليه حين يحتاج إليه" 

"التحسن ممكن دائما، لكن يحتاج إلى صبر وتدريب واستمرار، لا استعجال"

"نظرت ليان إلى أمها ثم إلى الكتاب، وشعرت أن ما عاشته لم يكن مجرد حلم، بل تجربة بقيت داخلها. ثم وقعت عيناها على النجمة الصغيرة وقد استقرت قرب نافذتها تلمع بخفوت كأنها تذكرها أن بعض الرحلات لا تنتهي عند الاستيقاظ"

"قالت بصوتٍ هادئ: أمي هل كنت متعبة اليوم؟ توقفت الأم قليلاً ثم نظرت إليها. كان في عينيها تعب خفيف لكنه اختفى مع اللحظة. نعم يا ليان كنت متعبة قليلاً. صمتت ليان ثم قالت أنا آسفة لم أنتبه. اقتربت الأم منها ثم مسحت على شعرها: وأنا أيضاً كان يجب أن أتكلم بهدوء أكثر. جلست ليان بجانب أمها دون طلبات كثيرة، فقط تنظر وتساعد بصمت. وكان الصباح يكمل يومه لكن شيئاً في ليان تغير دون أن تقوله"

 

والسؤال الآن، بعدما عرفت أن الكاتبة تعيش في غزة وشهدتْ بأم عينيها استشهاد خمسة وعشرين فرداً من أسرتها وما يقرب من ثلاثمائة من عشيرتها، وأن هذه القصص كتبت خلال حرب الإبادة، وأن أصلها كانت حكايات من نسج خيالها تحكيها لطفلتها قبل النوم حتى تنسيها القصف والقتل وأزيز الطائرات الحربية الذي لا يتوقف، والنزوح والجوع والخوف والقلق، أليس من حقي كقارئ لهذه المجموعة القصصية، أن أراها بعين أخرى، عين الفلسطيني ابن غزة الذي عاش في أتون حرب الإبادة سبعة أشهر، ثم عاشها بقلبه وعقله وروحه ومشاعره حتى اللحظة، فأفتش فيها عن غزة وفلسطين والاحتلال والإبادة؟

ففي مقدمة الكتاب أسمح لنفسي أن أرى مدينة غزة التي دمرها الاحتلال المتوحش خلال حرب الإبادة من خلال القول "في يوم ما، تغيرت المدينة كثيراً، وغادرها الأمان، وبدأت ليان تشعر أن مدينتها التي تحبها تختفي ببطء، يوماً بعد يوم، حتى بهتت ألوانها الزاهية"

وفي خاتمة إحدى القصص "وفهمت ليان أن الأمان لا يعني أن نبقى في مكان نحبه فقط، بل في مكان نحس فيه أننا بخير" ما يشير إلى النزوح وترك البيوت تحت القصف والقتل والتدمير، والذي عرفه أهل غزة خلال الحرب، وكان يعادل نزع الروح من الجسد، ففي العبارة مواساة للنازحين حينما تغير مكان إقامتهم بترك بيوتهم وذكرياتهم وكل ما يتعلق بماضيهم. وهو ما تعاضده خاتمة لقصة أخرى تقول "لم تعد تردد: سأعود يوماً. بل همست: سأحمل معي كل مكان أحببته، وأصنع ذكريات جميلة أينما أكون"

كما أنني أرى أن رمزية نافذة الغرفة، التي تتمحور حولها غالببية القصص، يفهمها الفلسطيني أكثر من غيره، في ظل حصار مطبق على الجسد والروح، ومنعه من الوصول إلى كل شيء عادي ومباح لبقية البشر، فالنافذة هنا، هي الأمل، والإطلالة بالروح والقلب على الحياة المشتهاة. والكاتبة تشير إلى ذلك بوضوح في مقدمتها "وكانت في كل مساء تجلس قرب نافذتها، تحدق في السماء، وتطلق لخيالها العنان ليحلق بعيداً" ومن أول قصة "ظهر عند النافذة ضوء خافت" و"في الصباح، فتحت عينيها، وجلست قرب النافذة تتأمل السماء" وفي آخر قصة "ثم وقعت عيناها على النجمة الصغيرة، وقد استقرت قرب نافذتها، تلمع بخفوت"

كما أنني أرى غزة وفلسطين، في تركيز الكاتبة على لغة القلوب بعيداً عما تراه العيون من دمار هائل وركام في كل مكان ودماء وأشلاء. ففي أول قصة تقول "إذا أردت أن تفهمي الجنة، فابدأي بالنظر إلى قلبك" وفي نفس القصة "قالت الفتاة انظري بقلبك، فظهر أمامها مشهد تعرفه جيدا" ويتكرر المعنى في نفس القصة "وأدركت أنها كانت ترى المظهر وتغفل جمال القلب" و"بدأ البستان يتلاشى شيئاً فشيئاً، كما اختفى الباب المضيء، لكن نوراً دافئاً بقي في قلب ليان" وفي آخر قصة "سمعت ليان صوتاً خافتاً يقول: كل قصة تقرأ بالقلب تصبح رحلة حقيقية لمن يؤمن بها" و"ابتسمت وهي تأخذها وشعرت بدفء جميل يملأ قلبها" وهذا المعنى يتكرر في بقية القصص بكثرة.

كما أنني أرى أن تركيز الكاتبة على الأحلام لا يقل في رمزيته عن تركيزها على لغة القلوب. كيف لا، والمجموعة القصصة كلها تحمل اسم "رحلة ليان إلى عالم الأحلام"

في قصص وفاء حماد، يعيش الأطفال فعلاً لحظات جميلة من المعاني والمفاهيم الإنسانية العظيمة، ومعها يجدون كل شيء في الكون يتكلم وينطق ويشعر ويتحرك ويبكي ويفرح ويحزن، النجوم والشجر والماء والطيور والحيوانات والحشرات. وربما تشعر لأول وهلة، من قوة اللوحات (الرسومات في كل صفحة) أن النص سيكون ضئيلاً وضعيفاً، أمام جبروت اللوحات والألوان الزاهية، لكنك ستكتشف مع القراءة، أن النص رغم مساحته الأقل من مساحة الرسومات وعدد كلماته القليلة، استطاع أن يتفوق على إبهار اللوحات بما يفيض به من معان وأفكار وإدهاش وتكثيف وخيال وتصوير.

كاتب صحفي

[email protected]

البوابة 24