كشف تقرير لموقع إسرائيلي عن تحرك مصري لافت في ملف التسليح، مشيرًا إلى أن القاهرة تمكنت من إدارة توازن دقيق بين الضغوط الأمريكية والخيارات العسكرية المتاحة أمامها، بالتزامن مع توجهها نحو تعزيز أسطولها من مقاتلات رافال الفرنسية.
وبحسب التقرير تقدمت مصر في مطلع سبتمبر 2026 بطلب إلى فرنسا للحصول على 24 مقاتلة رافال إضافية، في خطوة اعتبرها الموقع انعكاسًا لحسابات عسكرية وجيوسياسية تتجاوز مجرد اختيار نوع الطائرة.
الرافال تتقدم رغم الجدل حول المقاتلة الصينية
ربط التقرير الصفقة الجديدة بالجدل الذي أثير خلال الفترة الماضية حول أداء المقاتلة الصينية J-16، بعد تداول منشورات على منصات التواصل الاجتماعي تزعم تفوقها على رافال الفرنسية بنتيجة كبيرة خلال مناورات نسور الحضارة 2026.
إلا أن مصادر أشار إليها التقرير اعتبرت هذه الروايات غير موثوقة، موضحة أن الأرقام المتداولة جاءت من مدونات صينية ذات طابع دعائي وتسويقي، ولم تصدر عن مؤسسات عسكرية رسمية، وبالتالي لا يمكن اعتبارها أساسًا لاتخاذ قرار استراتيجي يتعلق بصفقات تسليح ضخمة.
القاهرة تراهن على منظومة موجودة بالفعل
ويرى التقرير أن أحد أهم أسباب استمرار مصر في الاعتماد على رافال يرتبط بالحسابات اللوجستية والاقتصادية، فالقاهرة تمتلك بالفعل 54 مقاتلة من هذا الطراز، ومن المنتظر اكتمال عمليات التسليم الخاصة بها بنهاية العام الجاري، وفي حال إتمام الصفقة الجديدة سيصل إجمالي الأسطول المصري إلى 78 مقاتلة رافال.
وهذا التوسع يمنح القوات الجوية المصرية ميزة مهمة تتمثل في الاستفادة من البنية التحتية القائمة، ومراكز الصيانة، وأجهزة المحاكاة، ومخزون الأسلحة، فضلًا عن الكوادر الفنية التي تلقت تدريبات على تشغيل وصيانة الطائرة، وبذلك لن تكون القاهرة مضطرة إلى إنشاء منظومة تشغيلية جديدة بالكامل لطراز مختلف، وهو ما قد يوفر عليها تكاليف ضخمة مرتبطة بالتدريب والدعم الفني وقطع الغيار والتسليح.
خطة لإحلال المقاتلات الأمريكية القديمة
ولا يتوقف الأمر عند الصفقة الفرنسية الحالية، إذ يربط التقرير بين توسع مصر في استخدام رافال وبين توجه أوسع لإعادة بناء أسطولها الجوي، وأشار إلى أن القوات الجوية المصرية تمتلك أكثر من 200 مقاتلة أمريكية من طراز F-16 تعود إلى أجيال قديمة، الأمر الذي يجعل رافال إحدى المنصات الرئيسية المطروحة لتحديث جزء كبير من هذا الأسطول واستبداله بمقاتلات أكثر تطورًا.
صواريخ متطورة وملف الاستقلال العملياتي
ويرى التقرير أن الجانب المصري لا ينظر إلى الطائرة باعتبارها منصة قتالية منفردة، وإنما ضمن منظومة تسليح متكاملة تمنح القوات الجوية قدرًا أكبر من حرية الحركة، وأشار إلى أن الولايات المتحدة سبق أن امتنعت عن تزويد مصر بصواريخ جو جو بعيدة المدى ومتطورة مثل أمرام، وهو ما فرض قيودًا على بعض القدرات القتالية للمقاتلات المصرية.
في المقابل، يوضح التقرير أن التعاون العسكري مع فرنسا يمنح القاهرة مساحة أوسع في اختيار منظومات التسليح الخاصة بمقاتلات رافال، بما يعزز استقلالية القوات الجوية ويقلل من ارتباط قدراتها العملياتية بقيود مفروضة على أنواع معينة من الذخائر.
الضغط الأمريكي يدخل على خط الصفقة
لكن التقرير الإسرائيلي يضع عاملًا آخر في مقدمة تفسيره للتحرك المصري، وهو الضغوط الأمريكية المستمرة على القاهرة بشأن التعاون العسكري مع الصين وروسيا، وبحسب التقرير، تمتلك واشنطن أدوات ضغط يمكن استخدامها ضد الدول التي تبرم صفقات تسليح رئيسية مع بكين أو موسكو، ومن بينها قانون مكافحة خصوم أمريكا من خلال العقوبات، المعروف باسم قانون كاتسا.
واستند التقرير إلى سابقة تراجع مصر عن صفقة مقاتلات سوخوي 35 الروسية، بعد تعرض القاهرة لضغوط وتهديدات أمريكية مرتبطة بالصفقة.
المساعدات العسكرية الأمريكية عامل حاسم
ويرى التقرير أن اختيار فرنسا بدلًا من الصين لا يمكن فصله عن طبيعة العلاقات العسكرية المصرية الأمريكية، فمصر تحصل على مساعدات عسكرية أمريكية سنوية تبلغ نحو 1.3 مليار دولار، وهو ما يجعل أي تحول واسع نحو الاعتماد على منصات صينية متطورة مثل J-16 خطوة قد تحمل تداعيات على التعاون العسكري والتمويل الأمريكي.

ومن هذا المنطلق، يعتبر التقرير أن التعامل مع فرنسا يمثل بالنسبة للقاهرة خيارًا أقل تكلفة سياسيًا، باعتبارها دولة عضوًا في حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه تتيح لمصر الحصول على مقاتلات متقدمة دون الاصطدام مباشرة بالخطوط الحمراء الأمريكية.
القاهرة تلوح بالبدائل دون الذهاب إلى المواجهة
وفي قراءة للمشهد، وصف الموقع الإسرائيلي السياسة المصرية بأنها تقوم على ما يمكن اعتباره استراتيجية متعددة الأقطاب، ففي الوقت الذي شاركت فيه مصر في تدريبات عسكرية شهدت وجود المقاتلات الصينية J-16 وتحليقها فوق الأراضي الإفريقية، بما في ذلك مناورات جمعتها مع مقاتلات رافال، فإن القاهرة لم تتجه إلى تحويل هذا التعاون إلى اعتماد كامل على السلاح الصيني.
وبحسب التقرير، تحمل هذه التحركات رسالة إلى القوى الغربية مفادها أن مصر تمتلك خيارات وبدائل أخرى، لكنها في لحظة اتخاذ القرارات الكبرى تظل حريصة على عدم تجاوز الحدود التي قد تهدد علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن.
صفقة جديدة قد تعزز الشراكة المصرية الفرنسية
وفي حال إتمام صفقة الـ24 مقاتلة الجديدة، سيصبح الأسطول المصري من رافال واحدًا من أكبر الأساطيل المشغلة لهذا الطراز خارج فرنسا، وهو ما من شأنه تعزيز التعاون العسكري والاستراتيجي بين القاهرة وباريس.
لكن التقرير أشار في الوقت نفسه إلى أن التقارب العسكري المصري الصيني أثار مخاوف لدى الهند، خصوصًا في ظل اعتماد نيودلهي على رافال باعتبارها إحدى أهم ركائز قوتها الجوية.
وتخشى الهند، وفق التقرير، من أن تكون التدريبات المشتركة بين مصر والصين قد أتاحت لبكين فرصة لدراسة أداء رافال وتحليل بعض خصائصها التكتيكية، بما قد يوفر معلومات يمكن أن تستفيد منها الصين في علاقتها العسكرية الوثيقة مع باكستان.
معادلة مصرية دقيقة بين القوى الكبرى
ويخلص التقرير إلى أن القاهرة تتحرك في ملف التسليح وفق معادلة معقدة تجمع بين تحديث قدراتها العسكرية، وتنويع مصادر السلاح، والحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام التعاون مع الصين وروسيا وفرنسا.
وبذلك، لا تبدو صفقة رافال الجديدة مجرد إضافة عددية إلى القوات الجوية المصرية، بل جزءًا من حسابات أوسع تحاول من خلالها القاهرة تعزيز قدراتها القتالية دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الكبرى صاحبة التأثير في المنطقة.
