تصريحات كوشنر من كييف غزة الجديدة: فكرياً واجتماعياً وسياسياً ثم هندسياً

 رامي الغف*:

لا ينبغي قراءة تصريحات جاريد كوشنر من كييف باعتبارها مجرد تصريحات عابرة لرجل أمريكي منشغل بملف الحرب الروسية–الأوكرانية. فالرجل الذي يتحرك بين موسكو وكييف، بينما يحمل في الوقت ذاته ملف غزة، يقدّم إشارات تستحق التوقف عندها، خصوصًا حين يتحدث عن «الحالة النهائية» لغزة، وعن حجم عسكرة القطاع وصعوبة نزع السلاح. المسألة، في تقديري، تتجاوز إعادة إعمار غزة بالمعنى التقليدي. نحن أمام مشروع لإعادة تشكيل غزة: فكرياً أولاً، واجتماعياً ثانياً، وسياسياً ثالثاً، ثم هندسيًا واقتصادياً. فغزة التي يتحدث عنها كوشنر ليست بالضرورة غزة التي عرفناها قبل الحرب؛ بل غزة جديدة يجري التفكير في بنيتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والعمرانية في آن واحد. أولاً: غزة الجديدة فكرياً إعادة بناء غزة لا تبدأ بالإسمنت والحديد، وإنما بإعادة تعريف مفهوم الدولة والمجتمع والأمن والسلطة. حين يصبح «نزع السلاح» شرطاً سابقاً على إعادة الإعمار، فإننا أمام محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والقوة السياسية، وبين الفصائل والسلطة، وبين السلاح ومفهوم الحكم.

وهنا تكمن القضية الأخطر: من يملك حق تعريف «غزة الجديدة»؟ وهل ستكون إعادة صياغة فلسطينية خالصة، أم مشروعاً دولياً تُرسم حدوده خارج غزة؟ ثانياً: غزة الجديدة اجتماعياً الحرب لم تدمر المباني وحدها؛ لقد غيّرت المجتمع نفسه. ملايين النازحين، أجيال فقدت منازلها ومدارسها، عائلات تفككت، أنماط اقتصادية واجتماعية انهارت، ومجتمع كامل أصبح بحاجة إلى إعادة بناء نفسي وتعليمي واقتصادي. ولهذا فإن «إعادة الإعمار» إذا اقتصرت على الأبراج والطرق والموانئ ومحطات الطاقة، بينما تُرك الإنسان الفلسطيني خارج المعادلة، فلن تكون إعادة إعمار حقيقية. غزة ليست عقاراً. غزة مجتمع، وذاكرة، وهوية، وحق سياسي. ثالثاً: غزة الجديدة سياسياً هنا يصبح السؤال أكثر حساسية: من سيدير غزة؟ ومن سيضع قواعد الحكم فيها؟ ومن سيحدد علاقتها بالسلطة الفلسطينية، وبإسرائيل، وبالقوى العربية والدولية؟ التصور الأمريكي المطروح يربط بين الأمن ونزع السلاح وإعادة الإعمار، فيما تحدث كوشنر سابقاً بوضوح عن وجود خطة لإعادة بناء غزة، لكن بعد تحقيق نزع السلاح. وهذا يعني أن السياسة لن تأتي بعد الإعمار؛ بل ستكون جزءًا من هندسة الإعمار نفسها.

ومن هنا يجب على الفلسطينيين ألا يكونوا مجرد متلقين لمشروع جاهز، بل أصحاب رؤية ومشاركة وقرار في صياغة مستقبل غزة. رابعاً: غزة الجديدة هندسيا واقتصادياً هذه ربما هي الصورة الأكثر وضوحًا في المشروع المطروح حتى الآن. فالتصورات التي طرحها كوشنر خلال الأشهر الماضية تحدثت عن إعادة بناء المدن، والبنية التحتية، وربط غزة بمشروعات اقتصادية إقليمية، وتحويلها إلى مركز اقتصادي حديث. وهنا يجب أن ننتبه إلى الفرق بين إعادة بناء غزة وإعادة هندسة غزة. إعادة البناء تعني إعادة ما تهدم. أما إعادة الهندسة فتعني تغيير شكل المكان ووظيفته وطريقة إدارته وعلاقته بالاقتصاد الإقليمي. وهذا هو السؤال الذي يجب أن يناقشه الفلسطينيون بجدية: هل نحن أمام إعمار لغزة، أم إعادة تصميم لغزة؟ إذا كان المشروع هو بناء مدن حديثة، ومناطق اقتصادية، وبنية تحتية جديدة، وربط غزة بممرات إقليمية ودولية، فالمطلوب ليس رفض التنمية ولا الحداثة؛ بل ضمان أن تكون هذه الحداثة فلسطينية في القرار والهوية والسيادة، لا مجرد مشروع استثماري فوق أرض فلسطينية. الخلاصة تصريحات كوشنر من كييف تستحق القراءة خارج سياقها المباشر.

فالرجل يتحدث عن الحرب والسلام في أوكرانيا، لكنه في الوقت نفسه يحمل تصورًا لغزة يقوم على الأمن، ونزع السلاح، وإعادة الإعمار، وإعادة تشكيل الواقع السياسي والاقتصادي. ولهذا فإن المعركة القادمة قد لا تكون فقط معركة من يسيطر على غزة؟ بل معركة أكبر: من يملك حق رسم غزة الجديدة؟ غزة التي نريدها يجب ألا تكون فقط أكثر جمالاً وعمرانًا، بل أكثر عدالةً وحريةً وكرامةً وفلسطينية. فلا قيمة لمدينة ذكية إذا كان أهلها بلا قرار، ولا قيمة لاقتصاد قوي إذا بقي الإنسان الفلسطيني تابعاً، ولا معنى لإعمار الحجر إذا لم يُعاد بناء الإنسان والمؤسسات والحقوق. غزة الجديدة يجب أن تكون مشروعاً فلسطينياً أولاً؛ وإلا فإن الآخرين سيبنون غزة التي يريدونها، لا غزة التي يريدها أهلها.

*اعلامي وباحث سياسي

البوابة 24