غزة/ البوابة 24- بسمة أبو ناصر:
"نفسي أموت وأروح على الجنة". كانت تلك إجابة طفل على سؤال صبا الصفدي عمّا يريد أن يصبح عندما يكبر. سؤال يفترض أن يفتح بابًا على أحلام المستقبل، لكنه كشف بدلًا من ذلك عن عالم تغيّرت فيه أمنيات الأطفال تحت وطأة الحرب، حتى صار الموت حاضرًا في خيال بعضهم أكثر من المهنة أو البيت أو الحياة التي يتطلعون إليها.
تعمل الصفدي ميسّرة للدعم النفسي في مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، وتلتقي خلال عملها بأطفال حملت الحرب إلى تفاصيل حياتهم الخوف والفقد والنزوح. تحاول أن تمنحهم مساحة آمنة للحديث والتفريغ، وتستخدم اللعب والرسم والحوار لمساعدتهم على التعبير عما يصعب عليهم قوله بالكلمات. وتقول إن ما تقدمه قد يبدو قليلًا أمام حجم الألم الذي يعيشه الناس، لكن مجرد شعور الشخص بأن هناك من يسمعه ويفهمه "يحدث فرقًا كبيرًا معه".
لكن الاستماع إلى الآخرين لا ينتهي دائمًا بانتهاء الجلسة. بعض القصص التي تسمعها الصفدي تبقى معها بعد مغادرة المكان، خصوصًا حين يستحضر أحد المشاركين تجربة مؤلمة أو يفتح حديثه الباب أمام آخرين لتذكر مواقف صعبة مروا بها هم أيضًا. تحاول أثناء الجلسة أن تضع مشاعرها جانبًا حتى تتمكن من مساندة الآخرين، لكن أثر ما تسمعه قد يظهر لاحقًا في مزاجها أو في طريقة تعاملها مع المقربين منها.
ولهذا تحاول الصفدي تفريغ ما يتراكم لديها بوسائل مختلفة، من بينها الرياضة والموسيقى، إلى جانب منح نفسها وقتًا للهدوء والابتعاد عن أجواء العمل. كما تستفيد من جلسات الرعاية الذاتية والتفريغ المخصصة للعاملين، والتي تتيح لهم التعبير عن المشاعر والطاقة المتراكمة خلال الأسبوع.
وتجد في عائلتها مساحة أخرى للتخفيف من ضغط العمل، من خلال مشاركة ما عاشته خلال يومها، لكنها ترى أن الدعم المقدم للعاملين في مجال الرعاية والدعم النفسي لا يزال "غير كافٍ"، في ظل الظروف الصعبة ومشقة الوصول إلى أماكن تقديم الخدمة. وترى أن مزيدًا من الاهتمام والمساندة للعاملين ضروري حتى يتمكنوا من مواصلة مساعدة الآخرين.
ولا يقتصر هذا العبء على أثر القصص التي يسمعها مقدمو الدعم، بل يمتد إلى طبيعة العمل نفسه. فأية أبو لاشين، الأخصائية النفسية في هيئة المستقبل للتنمية، تتعامل مع السيدات والأطفال واليافعين، وتسعى من خلال جلساتها إلى الوصول إلى أفراد الأسرة ومساعدتهم على التعامل مع الضغوط التي فرضتها الحرب على حياتهم.
ولا تقتصر الجلسات، بحسب أبو لاشين، على الاستماع، بل تتضمن تعليم المشاركين أساليب تساعدهم على تخفيف التوتر ومساندة أفراد الأسرة بعضهم بعضًا. وتلفت أبو لاشين إلى أن السيدات الأرامل من بين أكثر الفئات احتياجًا للدعم، في ظل ما يواجهنه من مسؤوليات وضغوط، وما قد يتراكم داخل الأسرة من مشكلات.
ومن خلال تعاملها اليومي مع هذه الحالات، ترى أبو لاشين أن مساعدة الشخص على فهم مشاعره والتعامل معها يمكن أن تخفف جزءًا من الأعباء التي يحملها. لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أن التأثر بما يشهده الأخصائي أمر طبيعي، ولذلك تحاول الحفاظ على توازنها من خلال الرعاية الذاتية والابتعاد عن أجواء العمل لبعض الوقت، إلى جانب الحفاظ على قربها من عائلتها وأصدقائها لاستعادة طاقتها.
وتستفيد أبو لاشين كذلك من الدعم الذي توفره المؤسسة التي تعمل معها، من خلال أيام مخصصة للرعاية الذاتية والتواصل المستمر والاهتمام بصحة الأخصائيين. وترى أن وجود هذا النوع من الدعم يساعد العاملين على التعامل مع الضغوط المرتبطة بطبيعة عملهم.
لكن الأعباء لا تأتي من الجانب النفسي وحده. فالعمل الميداني يفرض تحديات إضافية، من ارتفاع درجات الحرارة إلى مشقة التنقل والوصول إلى أماكن تقديم الخدمة. وتوضح أبو لاشين أن مقدمي الدعم قد يضطرون أحيانًا إلى المشي للوصول إلى مواقع عملهم، ما يجعل توفير وسائل المواصلات أحد الاحتياجات التي يمكن أن تخفف عنهم.
وفي الميدان نفسه يعمل ساهر السلطان، الأخصائي النفسي في جمعية أجيال للإبداع والتطوير، متنقلًا بين مراكز الإيواء والتجمعات السكانية للاستماع إلى الاحتياجات النفسية والاجتماعية، وتقديم الدعم والأنشطة التي تمنح الناس فرصة للتعبير عن مشاعرهم والتخفيف من التوتر، إلى جانب متابعة الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص وإحالتها إلى الجهات المختصة.
يلتقي السلطان بأطفال ويافعين ونساء ورجال تركت الحرب والنزوح آثارًا ثقيلة في حياتهم، إلا أن الأطفال يظلون من أكثر الحالات التي تستوقفه، خصوصًا من فقدوا أفرادًا من أسرهم أو مروا بالإصابة والنزوح والخوف المتكرر. ويقول إن التعامل معهم يحتاج إلى الصبر وتوفير مساحة آمنة تساعدهم على إخراج ما يصعب التعبير عنه بالكلمات.
لكن السلطان لا يستمع إلى هذه القصص من موقع منفصل عن أصحابها؛ فهو يعيش الظروف ذاتها التي يعمل فيها. لذلك تبقى بعض الحكايات عالقة في ذاكرته بعد مغادرة المكان، ولا يكون الفصل بين ما يسمعه في الميدان وما يعيشه في حياته الشخصية سهلًا دائمًا.
وللحفاظ على قدر من التوازن، يحاول السلطان الفصل قدر الإمكان بين العمل وحياته الشخصية، مستعينًا بالحديث مع زملائه والمقربين منه، إلى جانب أخذ فترات للراحة والتفريغ. ويولي أهمية خاصة لما يحدث داخل فريق العمل، معتبرًا أن مشاركة الزملاء للتجارب التي تثقلهم تساعد على تخفيف أثرها، بدل أن تبقى حبيسة داخل كل شخص.
ويرى السلطان أن الجهود الفردية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها. فمقدمو الدعم يحتاجون، برأيه، إلى رعاية منتظمة تشمل التفريغ النفسي والإشراف المهني، إلى جانب أوقات حقيقية للراحة وبيئة عمل تراعي حجم الضغوط التي يواجهونها.
ويؤكد أن النظر إلى مقدم الدعم بوصفه إنسانًا يحتاج إلى الرعاية أيضًا، وليس مجرد شخص يقدمها للآخرين، أمر ضروري لاستمراره في أداء دوره. ويختصر ذلك بالقول إن "طلب المساعدة ليس ضعفًا"، وإن حماية العاملين في الميدان والاهتمام باحتياجاتهم النفسية والعملية شرط لاستمرارهم في مساندة الآخرين.
وتشير دراسة تناولت أوضاع العاملين في مجال الصحة النفسية إلى أن التأثر بالعمل في سياقات الحرب والعنف قد يتجاوز الضغط العابر. ففي دراسة أجراها باحثون من جامعة القدس ونُشرت في مجلة Frontiers in Psychiatry في 7 يونيو/حزيران 2024، وشملت 514 متخصصًا في الصحة النفسية من القدس والضفة الغربية، قُدرت نسبة انتشار أعراض اضطراب ما بعد الصدمة بـ38.7%. وأظهرت الدراسة أن وجود تاريخ سابق للتعرض لصدمة نفسية، إلى جانب الشعور بالعجز أو عدم القدرة على التعامل مع المرضى خلال الحرب في غزة والعنف السياسي الفلسطيني-الإسرائيلي، ارتبط بزيادة احتمالية ظهور أعراض اضطراب ما بعد الصدمة.
لكن متى يتحول التأثر الطبيعي بما يسمعه مقدم الدعم ويشاهده إلى إرهاق نفسي يحتاج إلى الانتباه؟ توضح أخصائية علم النفس أية المقيد أن مقدمي الرعاية والدعم النفسي من الفئات الأكثر عرضة للإرهاق والضغط النفسي، بحكم تعاملهم المباشر والمتكرر مع الفقد والصدمات والمشاعر السلبية للآخرين. ومع استمرار هذا الاحتكاك، قد ينشغل مقدم الرعاية باحتياجات من حوله إلى درجة إهمال احتياجاته النفسية، أو تأجيل الراحة والتوقف عن العمل.
وتشير المقيد إلى أن فقدان الشغف، وانخفاض الطاقة، وتراجع الاهتمام بالنفس أو الأكل أو العلاقات الاجتماعية، من العلامات التي قد تشير إلى وصول مقدم الرعاية إلى مرحلة من الإرهاق أو الاحتراق الوظيفي. وقد يمتد أثر ذلك إلى الحياة الشخصية، فيميل الشخص إلى العزلة أو تزداد المشاحنات مع المحيطين به، خصوصًا عندما يشعر بأن الآخرين لا يدركون حجم ما يمر به.
وترى المقيد أن الرعاية الذاتية تمثل خطوة أساسية في الحد من تراكم الضغوط، ولا تحتاج بالضرورة إلى إجراءات معقدة، بل يمكن أن تبدأ بتخصيص وقت يومي بعيدًا عن العمل، وممارسة الهوايات، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية. فمقدم الرعاية، مثل أي شخص آخر، يحتاج إلى مساحة للاهتمام بنفسه ومشاعره، خصوصًا أنه قد يكون مرهقًا هو أيضًا بتجارب الفقد والخوف والاستهداف خلال الحرب.
لكن مسؤولية حماية مقدمي الرعاية لا تقع عليهم وحدهم. فالمقيد تؤكد أهمية وجود شبكة دعم من الأسرة والأصدقاء، أو شخص واحد على الأقل يستطيع مقدم الرعاية اللجوء إليه والحديث معه، إلى جانب الانتباه إلى طبيعة العلاقات المحيطة به والابتعاد قدر الإمكان عن مصادر الضغط الإضافية.
وعلى مستوى المؤسسات، تشدد المقيد على ضرورة توفير بيئة داعمة للعاملين الميدانيين، من خلال جلسات الإشراف المهني، والمتابعة المنتظمة لأوضاع الموظفين، وأيام مخصصة للرعاية الذاتية، وتدريبهم على التعامل مع الضغوط. كما أن مراعاة الظروف الميدانية، من المواصلات إلى فترات الراحة، جزء من حماية العاملين وليس تفصيلًا ثانويًا في عملهم.
وتختصر المقيد احتياج مقدمي الرعاية بالقول إنهم "ليسوا مطالبين بأن يكونوا مثاليين، بل أن يكونوا حنونين مع أنفسهم". في بيئة تستنزف الجميع، لا يمكن لمن يمد يده إلى الآخرين أن يظل خارج دائرة الألم. فخلف كل جلسة دعم، وكل محاولة لاحتواء خوف أو تخفيف وطأة فقد، يقف إنسان قد يحمل هو الآخر خوفه وفقده وتعبه، ثم يواصل السير إلى المكان نفسه في اليوم التالي.
وربما يحتاج من يساعد طفلًا على استعادة قدرته على الحلم، إلى من يساعده هو أيضًا على ألا يفقد أحلامه.
فمقدم الرعاية ليس محصّنًا ضد الألم، ولا مطالبًا بأن يكون كذلك؛ هو إنسان يعتني بالآخرين وسط الظروف نفسها، ويحتاج هو الآخر إلى مساحة آمنة، وإلى من يسأله ببساطة؛ كيف حالك أنت؟
