غزة/ البوابة 24- دعاء شاهين:
من خلف الجدار الزجاجي لحضانة الأطفال حديثي الولادة في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، وسط قطاع غزة، تراقب مريم الهسي (30 عامًا)، حركة صدر طفلها حديث الولادة "يامن". لا تبحث بعينيها عن ملامحه فقط، بل عن إشارةٍ تطمئنها إلى أنه ما زال يتنفس.
جاء يامن إلى الدنيا قبل اكتمال نموه، يعاني ضيقًا في التنفس ونقصًا في الأكسجين، فكان مكانه منذ لحظاته الأولى داخل الحضانة، حيث يحتاج إلى رعاية ومراقبة مستمرتين.
لكن فرحة مريم بطفل انتظرته سنوات لم تأتِ كما تخيلتها، فبدلًا من أن تحمله بين ذراعيها بعد ولادته، وجدت نفسها تقف خلف زجاج الحضانة، تراقب أرقام الأجهزة وتتابع حركة صدره الصغيرة، أكثر مما تستطيع الاستمتاع بملامح وجهه.
تقول لـ"البوابة 24": "كل يوم أقطع المسافة من خيمتي إلى المستشفى لأراقب ابني وأطمئن عليه. كل انخفاض في مستوى الأكسجين يسرق أنفاسي أنا أيضًا، وبالكاد أرمش بعيني وأنا أراقبه، وأنتظر أن يستقر تنفسه".
بالنسبة إليها، لم يعد الأكسجين جزءًا من العلاج فحسب، بل أصبح شرطًا لاستمرار طفلها في الحياة والتحسن.
ومع كل زيارة إلى الحضانة، تحمل مريم الخوف ذاته: هل سيبقى الأكسجين متوفرًا؟ فحتى إذا غادر يامن المستشفى، تخشى أمه أن يحتاج إلى رعاية أو أكسجين لا تستطيع الأسرة توفيره.
قصة يامن ليست سوى وجه واحد لأزمة أوسع يعيشها القطاع الصحي في غزة، فالأكسجين الذي يبدو في الظروف الطبيعية جزءًا أساسيًا من الرعاية الطبية، تحول في القطاع إلى مورد هش، تتوقف استمراريته على محطات إنتاج متضررة، ووقود شحيح، ومعدات تحتاج إلى صيانة، وقطع غيار يصعب إدخالها.
وتحذر وزارة الصحة في غزة من أن الأزمة تمس الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال حديثو الولادة ومرضى العناية المركزة.
ووفق المدير العام لوزارة الصحة في غزة، منير البرش، فإن 145 وحدة تشمل أقسام العناية المركزة للكبار والأطفال ومراكز الخُدّج، تحتاج إلى الأكسجين، محذرًا من أن توقف إمداده عن بعض الحالات الحرجة قد يعرّض حياتها للخطر خلال وقت قصير.
وفي الطرف الآخر من القطاع، تأخذ الأزمة شكلًا أكثر قسوة داخل خيمة نازحة. هناك، لا تراقب نادية دواس (56 عامًا)، أسطوانة الأكسجين فحسب، بل تراقب ما تبقى من أنفاس زوجها، البالغ من العمر (63 عامًا)، والممدد أمامها.
يعاني زوج نادية أزمة تنفس والتهابات حادة في الصدر، ويحتاج إلى الأكسجين على مدار 24 ساعة يوميًا، لكن الأسرة لا تملك سوى أسطوانة واحدة، كلما اقتربت من النفاد، تبدأ نادية بمحاولة إطالة عمرها.
تضع قناع الأكسجين على وجه زوجها لفترة، ثم ترفعه لفترة أخرى، على أمل أن تكفي الكمية المتبقية حتى العثور على أسطوانة جديدة.
تخبرنا: "أحيانًا ينخفض الأكسجين لديه إلى أقل من 60، فيصبح عاجزًا عن المشي ويبدو جسده منهكًا وهزيلًا، قبل أن يتحول ضيق التنفس إلى اختناق".
وفي المرة الأخيرة، نفد الأكسجين ولم تعد قادرة على السيطرة على حالته. اتصلت بالإسعاف، الذي وصل إلى الخيمة ونقله إلى المستشفى، حيث وُضع على الأكسجين وتلقى الإسعافات والعلاج.
لكن الوصول إلى المستشفى لا ينهي الأزمة، فخلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، نُقل زوجها إلى المستشفى نحو خمس مرات بسبب تدهور حالته، وفي إحدى المرات أمضى 24 يومًا تحت الأكسجين، ثم عاد إلى الخيمة، وعادت معه نادية إلى السؤال نفسه "ماذا سيحدث عندما ينفد أكسجين الأسطوانة مرة أخرى؟".
تزيد ظروف النزوح من معاناته، فالغبار والرمال والروائح تثقل صدره وتصعّب تنفسه. ولم تسلم نادية نفسها من هذه الظروف، إذ أصبحت تعاني مشكلات في التنفس حتى احتاجت أحيانًا -هي ذاتها- إلى الأكسجين.
ولا تتوقف معاناتهما عند المرض، فزوجها عاطل عن العمل، والأسرة تعيش في ظروف اقتصادية قاسية تجعل توفير الأدوية والغذاء المناسب لحالته أمرًا صعبًا.
بالنسبة إليها، الأسطوانة ليست رفاهية طبية، بل وقت إضافي قد ينقذ زوجها من الاختناق.
أسطوانة احتياطية تكفي يومين أو ثلاثة قد تعني ألا تضطر إلى انتظار نفاد الأكسجين تمامًا قبل استدعاء سيارة الإسعاف.

وتعتمد محطات توليد الأكسجين على سحب الهواء من الخارج وتنقيته وفصل الأكسجين عن النيتروجين لإنتاج الأكسجين الطبي، ثم يصل إلى المرضى بطريقتين: إما مباشرة عبر شبكة الأنابيب إلى أقسام المستشفيات وغرف العمليات والعناية المركزة، أو من خلال تعبئته في أسطوانات تُنقل إلى المرضى والمرافق الصحية.
لكن هذه العملية تحتاج إلى سلسلة متكاملة من الكهرباء والوقود لتشغيل الضواغط وأجهزة التنقية، وإلى معدات وقطع غيار وصيانة دورية، وأي خلل في واحدة من هذه الحلقات قد يصل أثره في النهاية إلى سرير المريض، وفق جهاد السدودي، مهندس المحطة المركزية للأكسجين في غزة.
ويقول السدودي: "نحو 92 مريضًا في القطاع يحتاجون إلى إعادة تعبئة أسطوانات الأكسجين ثلاث مرات يوميًا حتى لا يفقدوا حياتهم".
ومع محدودية الإنتاج والتعبئة، تعمل الطواقم الصحية، وفق السدودي، ضمن خطة طوارئ وبالحد الأدنى المتاح، مع ترتيب صارم للأولويات.
ويضيف: "تعطي الأولوية لغرف العمليات التي تُجرى فيها عمليات جراحية يومية، وحضانات الأطفال حديثي الولادة، والمرضى الذين يعتمدون على أجهزة التنفس الصناعي، بمن فيهم من يتلقون الأكسجين داخل منازلهم".
لكن ترتيب الأولويات لا يعني أن الاحتياجات الأخرى ملباة، فكل نقص في الإنتاج يفرض على الطواقم اتخاذ قرارات صعبة بشأن الكميات والجهات التي تحصل عليها أولًا، فيما ينتظر مرضى خارج المستشفيات إعادة تعبئة أسطواناتهم، مدركين أن التأخير قد لا يعني مجرد تأجيل خدمة طبية، بل تهديدًا مباشرًا لحياتهم.
ويشير السدودي إلى أن الدمار وشح الوقود والقيود المفروضة على إدخال المعدات وقطع الغيار أدت إلى خروج 22 محطة لإنتاج الأكسجين من أصل 34 محطة في القطاع عن الخدمة.
أما المحطات الـ(12) المتبقية، فتعمل تحت ضغط يفوق قدرتها الفنية، وسط صعوبة إجراء الصيانة الدورية.
وبحسبه، تعمل أربع محطات فقط حاليًا بصورة فعلية، موزعة بين شمال ووسط وجنوب القطاع، فيما تعيق القيود المفروضة على إدخال قطع الصيانة إعادة تشغيل المحطات المتوقفة بكامل طاقتها.
ولا يقتصر أثر هذا النقص على المستشفيات، بل يمتد إلى العيادات والنقاط الطبية والمستشفيات الميدانية، التي تواجه أصلًا أعدادًا متزايدة من المرضى والجرحى، بينما تتراجع قدرتها على تأمين الوقود والمعدات والأدوية وقطع الغيار.
وتأتي أزمة الأكسجين في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية في غزة تدهورًا حادًا بعد سنوات من الحرب. ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، كان 20 مستشفى يعمل بصورة جزئية حتى 12 آب/أغسطس، فيما بقي 17 مستشفى خارج الخدمة، ما يضع المستشفيات التي لا تزال تعمل أمام أعداد أكبر من المرضى والجرحى، في وقت تتقلص فيه قدرتها على الاستجابة.
