سمية وادي، الشاعرة الغزية التي انتصرت على الإبادة بقصيدتها

محمد سعد العجلة::

رغم الإبادة المستمرة في غزة، ورغم الموت الذي يصبه الأعداء كل يوم على رؤوس الناس، إلاّ أن الإبداع يخرج من بين الجثث ومن تحت الركام، وكأنه خرافة أو أسطورة، هازئاً بكل جرائمهم التي أرادوا من ورائها أن تكون غزة غير صالحة للبقاء.

قبل أسبوع حصلت الشاعرة الغزية المبدعة سمية وادي، على جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، في الدورة العشرين للعام 2026، وهو ما يؤكد من جديد أن فلسطين حاضرة دوماً في مختلف الساحات الإبداعية، مهما كانت الظروف التي تمر بها، وأن غزة تنبعث من الرماد كطائر العنقاء كما هو شعارها التاريخي.

سمية عصام وادي، شاعرة شابة، ولدت عام 1992 في غزة، لعائلة لاجئة من قرية بيت دراس المهجرة، درست اللغة العربية في الجامعة الاسلامية، ثم حصلت على درجة الماجستير في الأدب والنقد، وعاشت ويلات الحرب مع عائلتها، ورغم ذلك استمر عطاؤها الذي تكلل بهذه الجائزة العربية المميزة.

تناصفت الشاعرة سمية، هذه الجائزة، عن فئة الشباب دون سن الخامسة والثلاثين، مع الشاعر المصري حازم مصطفى عن قصيدتها «يوميات القصف العادي»! وكأن القدر أراد لأبناء غزة وأشقائهم المصريين، أن يكونوا دائماً جنباً إلى جنب وكتفاً إلى كتف، فعلاقة مصر وفلسطين علاقة الروح بالروح.

أهدت سمية وادي قصيدتها الفائزة إلى "ليالي النزوح الأولى، التي خذلنا وقتها كل شيء ولم يخذلنا الشعر. وبفضل الله وجدتْ هذه القصيدة صداها، وأنا فخورة جداً، كما أفتخر وأمتن بهذه الجائزة والقائمين عليها، ونحن نعد دائماً بأن تلوح كلماتنا نيابة عنا وأن تبقى حارساً للذاكرة من هذه الإبادة وهذا الموت" وكتبت عقب فوزها مباشرة "الحمد لله رب العالمين… كتبنا سطرًا، ولم نكن نعرف إن كنّا سنكمل السطر ذاته، وها نحن نُولد من جديد"

رصدت الشاعرة الحياة في ظل الإبادة وكأنها تحمل كاميرا ولكن بلغة عالية:

في الخيمةِ،، عمرُ الأشياءِ قصير..

الملابسُ تهترئ من الحرِّ،

الظلُّ ينكمشُ،

يركض المتعبون خلف ذيلِهِ مثلَ غيمةٍ تسخر من العطاشى..

الطعام يتعفّن وقت إعداده، الماء يتعكّر مع وصوله إلى الفم،،

الخشب ينخره الدود، الحديد يصدأ، والعافيةُ ينهشُها الاغتراب!!

النوم يطير، والوقت ينسلخ، والجلدُ يتآكل،، والفرح يُولد ميتًا..

حتى الحزنُ، لا يطول، لأن حزنًا آخر في طريقِه إلى الخيمة..

في الخيمة، عمرُ الأشياء قصيرٌ،، لكنها لا تموت.. تبقى مشبوحةً في الهواء، مثل جثةٍ لا تجد من يدفنها، ولا تعرف سبيلًا للحياة!

في بداية الحرب، ومع اشتداد القصف والأعداد المهولة من الشهداء والمصابين، والنزوح المتكرر، كانت الصدمة تشمل الجميع، وحتى سبل البحث عن طوق نجاة كانت معدومة، وكما تقول سمية عن ظروف تلك المرحلة "لا إنترنت، لا تواصل، لا مدارس، لا موارد غذائية ولا مقومات للحياة، وكان الهم الوحيد توفير الخبز والماء، خاصة لمن لديه أطفال"

لكن الشاعرة سمية، ككثير من المبدعين في غزة، نهضت بسرعة حاملة روحاً مثخنة بالجراح، بعد أن فقدت زوجة أخيها، التي استشهدت وأطفالها نائمون في حضنها، وفقدت عشرات من أصدقائها وزملائها ومعارفها، ثم فقدت شقيقها. تعالت على جراحها ووثقت جراح الناس:

أبحثُ عن عائلةٍ كاملةٍ أشرب الشاي في بيتِها،،!!

أسيرُ منذ أيامٍ بحثًا عن عائلةٍ تامّة الهيئة كما خلقها الله…

لم أجد بيتًا ولم أجد عائلة..

دخلتُ عشرات الخيام… لم أجد..!

الجدة ترعى أحفادها الأيتام،، العمة تحرس أبناء أخيها المفقود..

الزوجة وحدها، مع طفلها المصاب، وأبناء أخيها الأسير…

الجيران يصفّون الصغار على الشادر يعدّونهم،،

ثلاثةٌ بلا أب،

واثنين أمهم مسافرة،،

وواحدٌ الناجي الوحيد!

الأرملة أمٌّ لأبناء أختها الشهيدة،، وأخت زوجها عادت من رحلة الحياة بلا زوجٍ ولا أطفالٍ ولا قدمين،،!!

أما الشهداء فلم يفارقوا روحها وتفكيرها وكلماتها لحظة:

وسّعوا إطار البرواز قليلًا، لنضع صورة شهيد اليوم إلى جوار أخيه..

لا تحكموا إغلاق القبر،،

فدائمًا سيأتي الأخ الثالث، وينام مع إخوته،،

خفّفوا حجم التراب فوق وجوههم،،

لأن أخاهم القادم إليهم يخاف الاختناق!!

واتركوا ورودًا احتياطية في الهواء تنتظر الكفن الذي ستنمو فيه!

التقطوا صورةً جماعية معًا،،

لأنها كافيةٌ لتشييع الأصدقاء دفعةً واحدة،،

لا تكثروا من شراء الملابس، فلن يبقى أحدٌ ليرتديها،، ولا تتركوا بقايا الطعام، ولا فقرة الشاي، ولا نصف الحوار معلّقًا..

فلن يعود أحدٌ من الإخوة ليكمله!

وعن المشهد الذي أصبح حاضراً في غزة كل وقت وكل حين:

عن الجنازات التي لا تنتهي

على الجنازاتِ أن تخرج هكذا،، كاملةً مهيبةً لا ينقصها شيء،، جسدٌ يقطرُ منه الدم،

ضريحٌ ملفوفٌ بالعلم،

وراياتٌ عاليةْ عالية،

بكاءٌ وتكبيرٌ وثأرٌ متجدّد،

جماهيرُ غاضبة،، غاضبةٌ غضبًا قديمًا جديدًا..

كبارٌ وصغارٌ يحملون الشهيد ويستعدّون ليأخذوا مكانه في الثأر،،

هكذا تمشي الجنازاتُ أخيرًا،،

بلا حزن،، لأنّنا ننساه في حضرة الغضب،

وندفن الخوف في حضرة القهر،،

ونسخر من الانكسار

أمام هذه الجنازات المكتملة…!

وحتى الأعراس التي عادت خجولة بعد سريان الهدنة (ونقول الهدنة مجازاً لأن الحرب مستمرة في أكثر صورها وأشكالها):

عادت الأعراسُ إلى المدينة،

بضحكاتٍ لا تُناسبُ وجهها المتقرّح،

بأثوابٍ متّسخة من طين المشي،

بقصص حبٍّ مبتورة ومهشّمة،

عادت، وحدها..

أعراسٌ وحيدة يتيمة، معها زغاريد وطبول وبكاءات..

كلُّ عرسٍ فيه أرامل وأيتام وثكالى وجرحى،

بلا كوشة ولا طرحة، ولا أباء ولا إخوة،

هكذا فقط ضجيجٌ يغطّي صراخ القلب، وازدحامٌ يخفي دموع العين،،

هكذا.. عادت أعراس المدينة،

ولم تعد معها الأفراح!

وفي إشارة منها لثقافتها الشعرية، نلحظ في شعرها ظاهرة التناص مع الشاعر الكبير محمود درويش في قصيدته مديح الظل العالي. تقول سمية:

جرّبناك،، جرّبناك…

في الحرب جربناك،

في الهدنة جرّبناك،،

مرّةً في اليوم،

في الأسبوع،،

في العمر،،

لا تكنْ حقيرًا أيها العالم!

ومع كل هذه الجراح، والشهداء والجنازات والأعراس الخالية من الأفراح، فإنها تمتلئ أملاً:

قد تصمتُ الكلماتُ في أفواهنا

لكن تبوحُ الروحُ بالكلماتِ

وتضيعُ خطواتُ التلاقي بيننا

لكنّ موعدنا المؤجَّل آتِ

سيمرُّ هذا الحزنُ مرًّا فوقنا

وتزولُ من بعد العذاب غيومُه

وتعودُ غزةُ مثلما كانت لنا

وطنًا سماويًّا،، ونحن نجومُه

سمية وادي نموذج راق، للمبدعين في غزة الذين شاركوا الناس همومهم وأحزانهم ووثقوها بنصوصهم الثرية، ولم ينكسروا رغم ما في الروح والقلب والجسد من ندوب وجراح.

كاتب صحفي

[email protected]

البوابة 24