صدمة داخل تل أبيب.. فيلم "نازا" الإسرائيلي يفضح أسطورة "الجيش الأخلاقي"

المخرجان الإسرائيليان راشيل شور ويوفال أبراهام
المخرجان الإسرائيليان راشيل شور ويوفال أبراهام

في ضربة موجعة للسردية الإسرائيلية المتعلقة بـ"أخلاقية" الجيش الإسرائيلي، أعاد الفيلم الوثائقي "نازا" إشعال نقاش حاد وغير مسبوق داخل إسرائيل بشأن الآليات الفعلية التي يجري من خلالها اتخاذ قرارات الحرب في قطاع غزة.

ويعتمد الفيلم بصورة أساسية على شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات جوهرية حول تحول مفهوم "الضرر الجانبي" من مصطلح عسكري عابر إلى معيار مقبول لقتل المدنيين، مستندا في ذلك إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الاستهداف التي يصفها الفيلم بأنها تفتقر إلى الرقابة الأخلاقية.

"الضرر الجانبي" كمعادلة

وجاء عنوان الفيلم من المصطلح العسكري الإسرائيلي "نازا"، وهو اختصار لعبارة "الضرر الجانبي" (Collateral Damage).

إلا أن الفيلم لا يتعامل مع المصطلح باعتباره مفهوما تقنيا فقط، وإنما يسعى إلى تجريده من غطائه البيروقراطي، ليكشف، وفقا لما يطرحه، كيفية تحويل أرواح المدنيين الفلسطينيين إلى "متغيرات حسابية" داخل معادلات رقمية.

ووفقًا لما ذكره صناع الفيلم فإن منظومة الاستهداف الإسرائيلية تعتمد على كميات ضخمة من البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف، ولا تتمثل الإشكالية الأخلاقية التي يطرحها الفيلم في "أخطاء فردية" يمكن أن يرتكبها جندي في الميدان، وإنما في "بنية نظامية" تتيح تمرير ضربات عسكرية مع معرفة مسبقة باحتمالية سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وهو ما ينقل القضية، بحسب الطرح الوارد في الفيلم، من انتهاك عابر إلى سياسة مؤسسية تستوجب المساءلة القيادية.

ولم يمر الفيلم دون اهتمام من وسائل الإعلام الإسرائيلية، إذ خصصت صحيفة "هآرتس" مساحة تحليلية واسعة لما يطرحه، معتبرة أن مضمونه يتجاوز بكثير الكشف عن انتهاكات فردية.

وأشارت "الصحيفة" في افتتاحيتها إلى وجود صلة بين الشهادات الواردة في الفيلم والتحقيقات السابقة التي كشفت آليات تحديد الجيش الإسرائيلي لأهدافه، معتبرة أن التساؤل الأساسي لم يعد يدور حول: "هل كانت هناك ضرورة عسكرية للضربة؟"، وإنما بات يتمحور حول: "ما هو الحد المقبول للخسائر المدنية؟ ومن يملك الحق في تحديد هذا الحد؟".

شهادات من داخل المؤسسة

وترى "الصحيفة" أن محاولة المخرجين يوفال أبراهام وراحيل تسور فحص منظومة الاستهداف "من الداخل" تمثل سابقة نادرة تخترق جدار الصمت والسرية العسكرية المحيط بعمليات القصف في غزة.

كما يستند الفيلم إلى مقابلات مع 24 شخصا خدموا في وحدات استخباراتية وعسكرية إسرائيلية، بينهم أفراد من الوحدة النخبوية "8200".

وتقدم هذه الشهادات صورة عن "جنود الشاشة" الذين يديرون عمليات القتل من خلف شاشات الحاسوب، بعيدا عن ساحة المعركة المباشرة، لكنهم يشكلون جزءا من سلسلة اتخاذ القرار الذي يؤدي إلى عمليات القتل.

تلاشي المسؤولية الفردية

والجدير بالإشارة أن هذا الواقع يعكس معضلة أخلاقية وقانونية جديدة، فمع تزايد الاعتماد على الخوارزميات في اقتراح الأهداف، تصبح المسؤولية الفردية أكثر غموضا.

فعندما تسقط قنبلة على منزل مكتظ بالعائلات، من يتحمل المسؤولية؟ هل هو المشغل الذي ضغط على الزر؟ أم الضابط الذي وافق على الضربة؟ أم المبرمج الذي صمم الخوارزمية؟ أم القيادة التي وضعت قواعد اشتباك متساهلة؟

ويجيب الفيلم ضمنيا بأن النظام بأكمله مصمم لتفريغ الضمير الفردي من الشعور بالذنب.

وردًا على ما تضمنه الفيلم من اتهامات، رفض المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي هذه الاتهامات بالكامل، مشيرًا إلى أن الشهادات التي يستند إليها الفيلم "مجهولة الهوية" ولا يمكن التحقق منها، إلى جانب عدم امتلاك الجنود العاديين للصورة الاستراتيجية الكاملة لعمليات الاستهداف.

وشدد الجيش الإسرائيلي، على تمسكه بالقانون الدولي ووجود آليات للإبلاغ عن الانتهاكات.

إلا أن هذا الرد الرسمي يصطدم بحقيقة أن إخفاء هويات المصادر يمثل شرطا أساسيا لحماية "مبلغي المخالفات" (Whistleblowers) من الملاحقة العسكرية والقضائية في إسرائيل.

ويرى المراقبون أن التشابه بين الشهادات وما تتضمنه من تفاصيل تقنية يمنحها درجة من المصداقية تتجاوز حجة "عدم القدرة على التحقق" التي يستند إليها الجيش لتجنب إجراء تحقيق مستقل.

جدل سياسي وثقافي

ولم يقتصر الجدل على الأوساط العسكرية، وإنما امتد أيضًا إلى الساحتين السياسية والثقافية، إذ تعرض مخرجا الفيلم لهجوم حاد من مسؤولين في اليمين الإسرائيلي، وصل إلى المطالبة بمعاقبتهما أو سحب جنسيتهما، بدعوى أن الفيلم "يطعن في ظهر الجيش" ويضر بالجهود الحربية.

في المقابل، كشفت شخصيات بارزة من الوسط الثقافي والإعلامي الإسرائيلي دعمها للمخرجين، محذرة من أن محاولة إسكات هذا النقاش الداخلي لا تخدم الأمن الإسرائيلي، وإنما تعزز العزلة الدولية وتوفر مبررات قوية للملاحقة القضائية أمام المحاكم الدولية، مثل محكمة الجنايات الدولية.

كما يتمثل الخطر الحقيقي الذي يثيره فيلم "نازا" بالنسبة إلى المؤسسة الإسرائيلية في نقله النقاش من مستوى "عدد الضحايا"، الذي يمكن تبريره بحجج الحرب، إلى مستوى "كيفية اتخاذ قرار القتل".

وبغض النظر عن المعارك القانونية والإعلامية التي قد تخوضها إسرائيل لدحض تفاصيل الفيلم، فإن مجرد وجود هذه الأصوات من داخل المؤسسة العسكرية يكفي، وفقا لما يطرحه الفيلم، لتهشيم أسطورة "الجيش الأخلاقي".

والجدير بالذكر أن "نازا" طرح سؤال أمام الرأي العام الإسرائيلي والدولي يتعلق بمدى قدرة إسرائيل على إثبات أن التكنولوجيا والضغوط العملياتية لم تتسبب فعليًا في "تخفيض قيمة الحياة الفلسطينية" ضمن معادلاتها العسكرية، في حين تظل الإجابة حتى الآن محجوبة وراء الإنكار الرسمي والسرية المشددة.

روسيا اليوم