بلا معيل ولا سنَد.. مسنّات نجون من جحيم الحرب فاحترقن بلهيب الغربة!

صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي
صورة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:

في غزة، كان أبناء "سهاد" يتناوبون على بابها.. يأتيها أحدهم وفي يده طبقٌ تحبّه، ويزورها آخر بفاكهةٍ وحلويات. كان يكفيها زيارةٌ عابرة من أحدهم كل حين لتعود إلى البيت الحياة.

اليوم، وهي في إسطنبول، صار بابها يطل على مدينةٍ لا تعرف لغتها، ومستشفى لا تعرف كيف تصل إليه، وأيام طويلة لا تجد فيها من يرافقها حين يثقل جسدها المرض.

خرجت السيدة البالغة من العمر (57 عامًا)، من غزة إلى تركيا لتلقي العلاج بعد إصابة لحقت بظهرها خلال قصف، لكنها تركت أبناءها في شمالي القطاع، وحملت معها إلى الغربة وحدة لم تكن جزءًا من حسابات النجاة.

نزحت من منزلها في حي النصر إلى النصيرات، وسط قطاع غزة، حيث لجأت إلى منزل شقيقها، فيما لم يتمكن أبناؤها من النزوح بسبب شدة القصف ومخاطر الطريق.

في إحدى الليالي هناك، وبينما كانت أضواء القصف شديدة إلى درجة جعلت الليل يبدو نهارًا، توالت الانفجارات من حولها.. إحدى الضربات ألقتها أرضًا وكسرت ظهرها، وبعد نحو أسبوعين غادرت إلى إسطنبول للعلاج.

تقول السيدة: "خرجتُ وحدي بعدما أصر أولادي على نجاتي من الإبادة، ولكن من هنا بدأت وحشتي..".

لا تعرف سهاد اللغة التركية، مما أسهم في جعل تفاصيل عادية، كشراء الفاكهة مثلًا، موقفًا تحتاج فيه إلى مساعدة الآخرين. تقول: "كنت أخرج الأموال، والبائع يأخذ المبلغ الذي يريده بتذمر دون أن أتأكد كم هو المطلوب. حتى وإن كنت أعلم أنه أخذ أكثر من حقه، لم أكن أستطيع مجادلته في أي شيء".

وكان المرض أكثر قسوة من حاجز اللغة، ففي إحدى المرات احتاجت إلى المستشفى، لكنها لم تعرف كيفية استخدام الحافلات الحكومية، فيما كانت سيارات الأجرة باهظة الثمن بالنسبة لها. خرجت تبحث عن المساعدة حتى التقت شابًا عربيًا اصطحبها، وبقي إلى جانبها حتى أعادها إلى منزلها.

في ذلك اليوم، عادت إلى منزل صامت.. منزلٌ لا يشبه ذلك الذي تركته في غزة، حيث كان أبناؤها يحيونه بضحكاتهم وحبهم اللا مشروط.

وما تعيشه سهاد ليس حكايةً معزولة، فخلف الحدود تتكرر حكايات لمسّنات غزيات وجدن أنفسهن منفردات في مواجهة وحش الوحدة، بعد أن خرجن للعلاج أو النجاة، وتركْن أبناءهن وأحفادهن خلفهن.

خلال إعداد هذا التقرير، التقت "البوابة 24" عددًا من هذه الحالات، غير أن الخشية من أن يؤثر الكشف عن هوياتهن في المساعدات المحدودة التي يتلقينها، دفعتهن إلى طلب نشر قصصهن بأسماء مستعارة، فيما تحتفظ إدارة التحرير بأسمائهن الحقيقية وبياناتهن.

"كبُرت.. وأحتاج إلى أبنائي"

في مصر، تعيش سميرة عيسى (77 عامًا)، تجربة مشابهة برفقة زوجها البالغ من العمر (78 عامًا)، الذي خرج معها لتلقي العلاج من سرطان القولون.

تقيم سميرة وزوجها في مساكن مخصصة للجرحى والمرضى، لكن تقدمها في السن وحالتها الصحية جعلا بعض احتياجاتها اليومية شاقة. "حتى الذهاب إلى السوق وحمل كيلوغرام من الطماطم لم يعد سهلًا" تقول، مما جعلها تعتمد على مساعدة جيرانها الشبان.

تخبرنا: "قبل شهر تقريبًا، لم أعد أستطيع الذهاب إلى السوق حتى، فأصبحت أطلب المساعدة من جاري في المنزل، الذي يعيش برفقة والده".

لكن الحاجة إلى كيلوغرام من الخضروات ليست أكثر ما يؤلمها، فما ينقصها هو أبناؤها الذين بقوا في غزة. تضيف: "كبرت في السن وأحتاج إلى أبنائي بجانبي، ولكنهم جميعًا داخل غزة".

كانت تشعر بالحرج كلما طلبت من جارها بعض احتياجاتها، لكنه كان يناديها "أمي" حتى لا تشعر بأنها تثقل عليه.

وحتى الزيارات لم تعد سهلة. تروي أن إحدى جاراتها، التي نزحت إلى القاهرة، أرادت الاطمئنان عليها، لكنها احتاجت إلى جواز السفر والهوية الفلسطينية ودرجة القرابة ورقم الهاتف للسماح لها بالدخول إلى مكان إقامتها.

بالنسبة لسميرة، لم تعد المسافة وحدها تفصلها عن عائلتها، فحتى من يحاول الاقتراب منها يصطدم بإجراءات تجعل اللقاء أكثر صعوبة.

أحفاد خلف شاشة الهاتف

إلى إسطنبول مرةً أخرى، حيث تحمل نور سعيد غيابًا من نوع آخر. غادَرت غزة بعدما طلبت اللجوء من السفارة التركية، لكنها تركت خلفها أربعة أحفاد من أبنائها الثلاثة منذ ذلك الحين.

تقول بحرقة، بينما دمعاتها تنهمر على خديها: "والله اشتقتلهم".

لا تملك نور سوى الاتصالات المتقطعة لترى وجوههم، وفي كل مرة تلاحظ تغير ملامحهم، تشعر بثقل المسافة أكثر.

تزيد: "أحيانًا عندما أرى كيف نحفت وجوههم عبر الاتصالات المتقطعة، لا أستطيع الأكل لمدة ليست بقليلة، قد تطول ليومين"، وحتى شراء الطعام يحتاج منها إلى جهد إضافي، فهي لا تجيد التركية أو الإنجليزية، وتعتمد أحيانًا على شكل المنتجات لمعرفة ما تحتاجه.

ساعدتها فتاة في تحميل تطبيقات للترجمة، لكن ضعف الإنترنت داخل المتاجر وارتفاع كلفة حزم البيانات يحدان من استخدامها.

وتقول: "ما آخذه في الشهر ليعيلني يكفي فقط للفواتير والطعام، وأحيانًا يأتي آخر الشهر ولا أستطيع إحضار الأرز".

ثلاث نساء خرجن من غزة بحثًا عن العلاج أو الأمان، لكنهن تركن وراءهن أبناءً وأحفادًا وبيوتًا كانت تفاصيلها اليومية تمنحهن الإحساس بالسند.. في غزة، كان الخوف يأتي مع القصف، أما في الغربة، فتأخذ المعاناة شكلًا أكثر هدوءًا: مرضٌ بلا مرافق، واحتياجات يومية تحتاج إلى طلبها من غريب، وحفيد لا يمكن احتضانه إلا عبر شاشة هاتف.

البوابة 24