الجماهير تريد حكومة إنقاذ وطني فوراً

رامي الغف*:

كثيرة هي المواقف والتحليلات والتصريحات التي تضخ يومياً على الساحة الفلسطينية، حتى بات المشهد أقرب إلى مأساة وطنية تختلط فيها الأزمات السياسية بالمعاناة الإنسانية والمعيشية، بينما يبقى المواطن الفلسطيني هو من يدفع الثمن. سنوات طويلة من الحوارات واللقاءات والوساطات والمبادرات لم تنهِ الانقسام، ولم تحقق ما ينتظره الشعب الفلسطيني. فلم تعد المشكلة في عقد المزيد من الاجتماعات، بل في تحويل الكلام إلى قرارات، والقرارات إلى أفعال، والأفعال إلى واقع يلمسه المواطن. فإلى متى يبقى الانقسام؟ وإلى متى تبقى المصالحة شعاراً مؤجلاً؟ اليوم، وفي ظل الحرب والدمار والنزوح وتراجع الخدمات والظروف الاقتصادية الصعبة، تبرز الحاجة إلى حكومة إنقاذ وطني فلسطيني، تكون مهمتها إخراج الوطن من حالة الانسداد السياسي والمؤسسي، وتوحيد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، ودعم صمود المواطنين، وبدء الإعمار، ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية والخدمية. هذه الحكومة يجب ألا تكون حكومة محاصصة حزبية أو امتداداً للصراع الفصائلي، بل حكومة كفاءات وطنية، تضم شخصيات مهنية ومستقلة تتمتع بالكفاءة والنزاهة، وتعمل وفق برنامج واضح، وأولويات محددة، وسقف زمني وآليات رقابة ومساءلة. الإعمار ليس حجارة فقط؛ الإعمار هو إعادة بناء الإنسان والحياة والمؤسسات والاقتصاد والمستقبل. ولذلك يجب أن يكون الإعمار مشروعاً وطنياً جامعاً، بعيداً عن المحاصصة، يقوم على الشفافية والعدالة، ويضمن وصول المساعدات والموارد إلى مستحقيها. المواطن الذي فقد بيته وعمله ومصدر رزقه لا يريد المزيد من البيانات والخلافات؛ يريد بيتاً، وماءً، وكهرباءً، ومدرسة، ومستشفى، وفرصة عمل، وكرامة وأماناً لأبنائه. كما أن نجاح حكومة الإنقاذ يتطلب شراكة وطنية واسعة تضم القوى والفصائل والأحزاب والشخصيات المستقلة ومؤسسات المجتمع المدني، ضمن إطار للحوار والمتابعة والمساءلة، دون أن يكون بديلاً عن منظمة التحرير أو النظام السياسي، بل وسيلة للخروج من الأزمة وترتيب البيت الفلسطيني. لقد حان الوقت للانتقال: من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل، ومن الانقسام إلى الشراكة، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن صراع المواقع إلى بناء الوطن. فلسطين لا تحتمل مزيداً من الانتظار، والشعب الفلسطيني لم يعد يحتمل المزيد من الأزمات. المطلوب ليس أن ينتصر فصيل على فصيل، ولا طرف على طرف، بل أن تنتصر فلسطين. فلسطين ليست ملكاً لفصيل أو حزب، بل هي وطن الجميع، ومستقبل أبنائها مسؤولية الجميع. إن حكومة الإنقاذ الوطني ليست ترفاً سياسياً ولا شعاراً جديداً، بل يمكن أن تكون بوابة للخروج من حالة الانسداد، وإنهاء آثار الحرب، وبدء الإعمار، وترميم الثقة، وإنهاء الانقسام، وحماية المشروع الوطني. آن أوان القرار الوطني الشجاع… آن أوان أن تتحول الوحدة من شعار إلى واقع، والمصالحة من وعد إلى فعل، والإنقاذ من فكرة إلى برنامج وطني.

*اعلامي وباحث سياسي

البوابة 24