غزة في يوم "حماية التعليم".. حقائبٌ لم تُفتح ودفاتر عليها آثار دم!

صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي
صورة تعبيرية أُعدت بمساعدة الذكاء الاصطناعي

غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:

في السابع من أيلول الجاري، كان يفترض أن ترجع وفاء عكيلة (8 سنوات) إلى البيت على جناح الفرح. لقد اشترت لتوها حقيبةً مدرسية جديدة، وكراريس ملونة وأقلام، استعدادًا للعام الدراسي الجديد.. لكنها عادت إلى أمها المنتظرة بالكفن!

خرجت وفاء برفقة والدها يوسف لشراء مستلزمات المدرسة، لكنها لم تكن تعرف أن الطريق إلى البيت سيكون آخر طريق تسلكه. ففي حي النصر غربي مدينة غزة، استُهدفت السيارة التي كانت تقل وفاء ووالدها، فقُتلا وأصيب آخرون.

وفي يومٍ كان يفترض أن يكون امتدادًا طبيعيًا لبداية عام دراسي جديد، تحولت الحقيبة والدفاتر والأقلام إلى جزء من مشهد الفقد المرعب.

وقبل وفاء بأشهر قليلة. تحديدًا في الثاني والعشرين من حزيران/ يونيو، خرجت رغد حسين عاشور من منزلها في مدينة غزة متجهة إلى مكان تقديم امتحان الثانوية العامة.

كانت تحمل حقيبتها وطموحها لإتمام محطة مهمة في التعليم، لكن الغارة التي وقعت في منطقة مكتظة بحي الرمال، قطعت الطريق بينها وبين الامتحان.. وقُتلت رغد.

كان يفترض أن يكون ذلك اليوم صفحةً عاديةً تذكرها وتضحك في سجل حياتها المدرسية.. امتحانًا تنتهي منه فتعود إلى منزلها مرهقة، تنام قليلًا ثم تستيقظ لتكمل الدراسة للمادة التالية، لكنه كان آخرُ ما يروى عن طريقها.. طريق رغد، تلك الطالبة التي خرجت لتقدم امتحانًا ولم تصل!

وتختصر قصة رغد مفارقةً أكبر: فحتى حين استعاد بعض الطلبة بغزة، فرصة العودة إلى الدراسة، ظل الطريق إليها محفوفًا بالخطر.. ولا نبالغ إن قلنا "محفوفًا بالموت".

ويصادف التاسع من أيلول/سبتمبر من كل عام، اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات، الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2020م، للتذكير بضرورة حماية الطلبة والمعلمين والمدارس من الهجمات، وضمان استمرار التعليم حتى في أوقات النزاعات.

في التاسع من نيسان/ إبريل الماضي، كانت ريتاج عبد الرؤوف ريحان، ذات الأعوام التسعة، قد وصلت بالفعل إلى خيمةٍ تعليميةٍ أقيمت -قبل خمسة أيامٍ فقط- على أنقاض مدرسة أبو عبيدة بن الجراح المدمرة، القريبة من خيمة عائلتها في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة.

في ذلك اليوم، اصطحبها والدها، وكانت ريتاج تلتحق بالتعليم فيها بعد انقطاع طويل منذ بداية الحرب. جلست إلى مقعدها، لكن رصاصةً أصابتها داخل الخيمة وأنهت حياتها.

ترك دم ريتاج أثره على دفترها المدرسي، فيما بقيت كلماتها الأخيرة شاهدة على حلم صغير لطفلة تتعلم وسط مدينة مدمرة. قال والدها: "عودتها إلى الدراسة كان يفترض أن تعوضها عما حُرمت منه خلال الحرب، لكنني أوصلتُها إلى الخيمة سيرًا على الأقدام وعدتُ بها جثة هامدة".

وتأتي هذه القصص في وقت تحاول فيه المؤسسات التعليمية إعادة بناء ما يمكن من العملية التعليمية في قطاع غزة، وسط دمار واسع أصاب البنية المدرسية.

وبحسب تحديث لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، نُشر في أيار/مايو 2026م، حُرم نحو 700 ألف طفل بين الرابعة والسابعة عشرة من التعليم المدرسي الحضوري لنحو ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تضرر نحو 98% من مباني المدارس، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل كبيرة أو إعادة بناء كاملة. كما أن نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال، لا يحصلون على أي تعليم حضوري.

ولا تتوقف عوائق التعليم عند جدران المدارس المدمرة. إذ تشير "يونيسف" إلى أن نحو 60 مليون طن من الركام تسد الطرق وتخفي ذخائر غير منفجرة، ما يجعل الوصول إلى أماكن التعلم خطرًا بحد ذاته.

ومع ذلك، كانت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية تعمل، قبل حلول 9 أيلول، على توسيع المساحات التي يمكن أن يعود فيها التعليم إلى الواجهة.

وصرّح المتحدث باسم الوزارة، صادق الخضور، بأن خطة العام الدراسي في غزة ترتكز على توسيع نطاق "النقاط التعليمية الوجاهية"، مع استمرار المدارس الافتراضية والمنصات التعليمية، لضمان استمرار العملية التعليمية في ظل الصعوبات الميدانية.

وأوضح أن التعليم الافتراضي يستهدف أيضًا الطلبة داخل غزة، الذين يصعب وصولهم إلى النقاط الوجاهية بسبب صعوبات التنقل والمخاطر في بعض المناطق.

وقال: "إن الوزارة تتجه إلى توسيع التعليم الوجاهي عبر تجهيز مراكز تعليمية خاصة والاستفادة مما تبقى صالحًا من المدارس والمرافق التعليمية".

وفي النصف الأول من 2026م، تمكنت الجهات العاملة في قطاع التعليم، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، من الوصول إلى مئات آلاف الأطفال عبر مساحات تعليم مؤقتة، في محاولة لإبقاء التعلم قائمًا رغم فقدان المدارس التقليدية، لكن استمرار المخاطر الأمنية، ونقص المساحات والمواد التعليمية، جعل العودة إلى التعليم عملية شاقة وغير مستقرة.

في التاسع من أيلول، لا يحضر اليوم الدولي لحماية التعليم من الهجمات بوصفه مناسبة على التقويم فقط، تحضر معه حقائب لم تُفتح، وامتحان لم يُقدَّم، ودفتر بقيت عليه آثار الدم. ويبقى السؤال الذي تتركه غزة في هذا اليوم أبسط من كل البيانات: كيف يمكن لطفل أن يتعلم، إذا كان الطريق إلى المدرسة، والمدرسة نفسها، لا يضمنان له الوصول إلى مقعدة حيًا؟

البوابة 24