يومٌ دولي لـ"طبقة الأوزون".. وفي غزة نارٌ للعدس وسولار صناعي وقمامة تحترق!

حرق النفايات في غزة
حرق النفايات في غزة

غزة/ البوابة 24- حلا أبو عيشة:

أمام خيمتها في مواصي خانيونس، غربي المدينة، تجلس أم أحمد شبير أمام نارٍ صغيرة. تزوّدها كل بضع دقائق بقطعة خشب أو نايلون، في محاولةٍ منها لمنح قدر العدس الذي يغلي فوقها ما يكفي من الحرارة لينضج.

يتصاعد الدخان، ويلتف حول وجهها والخيمة، قبل أن تدفعه الريح إلى الداخل. على مقربةٍ منها، يجلس أفراد أسرتها بانتظار الوجبة.

في المواصي، تلك المنطقة الساحلية الممتدة بمحاذاة شارع الرشيد، أصبح الحطب واحدًا من بدائل الطهي التي تلجأ إليها العائلات في ظل صعوبة الحصول على وقود.

ووفق منظمة الصحة العالمية، فإن حرق الخشب والوقود الصلب في مواقد غير كفؤة ينتج جسيمات دقيقة وملوثات أخرى، فيما يمكن لجسيمات (PM2.5) أن تتغلغل عميقًا في الرئتين وتصل إلى مجرى الدم، وترتبط أمراضها بمشكلات القلب والجهاز التنفسي وسرطان الرئة.

ولا يتوقف الأمر عند الحطب. فعندما تختلط به أكياس البلاستيك أو بقايا المواد المختلفة لإبقاء النار مشتعلة، تصبح المائدة أقرب إلى مدخنة صغيرة، إذ تحذر الأمم المتحدة للبيئة من أن حرق البلاستيك يطلق مواد سامة، بينها "الديوكسينات" و"الفورانات"، ويمكن أن يضر بصحة الإنسان والحيوان والنبات.

ومن النار الصغيرة أمام خيمة أم أحمد، يمكن رؤية حكايةٍ أخرى، دخانها هذه المرة يخرج من عادم سيارة.

على أحد الطرق الترابية الممتدة بين الخيام، تمر مركبة قديمة، يسبقها دخان كثيف برائحة وقود نفاذة. إنها تستخدم ما بات يعرف محليًا بـ"السولار الصناعي".

هذا الوقود ليس سولارًا تجاريًا بالمعنى المعتاد، ففي غزة، ظهرت خلال أزمة المحروقات طرق بدائية لاستخراجه من النفايات البلاستيكية.

ووفق تقرير نشره المركز الفلسطيني للإعلام في الثالث من أيلول/سبتمبر 2026م، يجمع العاملون البلاستيك والملابس والأقمشة التالفة ومواد أخرى قابلة للاحتراق، ثم يضعونها في براميل تُسخّنها حتى تذوب، قبل إعادة تكرير الناتج للحصول على سائل يستخدم في تشغيل المولدات.

وكانت شبكة "نوى" قد وثقت في تقرير سابق، بالتفصيل، عملية أخرى لإنتاج الوقود البديل من البلاستيك؛ إذ تُطحن المخلفات البلاستيكية، ثم تُسخن في أفران، فيتحول البلاستيك إلى بخار يُكثف ويُبرد لفصل مكوناته، قبل إخضاع الناتج لتنقية إضافية.

لكن هذا السائل الذي يصل إلى خزان السيارة لا يأتي بلا ثمن، فالوقود الناتج بوسائل بدائية لا يخضع بالضرورة لمواصفات الوقود التجاري أو عمليات التكرير والاختبار المعتادة، فيما يؤدي احتراقه في المحركات إلى انبعاث ملوثات الهواء.

وهنا تكمن مفارقة غزة في يوم الحفاظ على طبقة الأوزون: إذ ليس كل دخان يخرج من سيارة أو نار يعني أن طبقة الأوزون تتآكل مباشرة، لكن سلسلة الاحتراق هذه تضيف إلى أن تلوث الهواء وتغير المناخ، وبعض الغازات الناتجة عن أنشطة الاحتراق يمكن أن يكون لها صلة بكيمياء الأوزون.

وتشير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أكسيد النيتروز (N2O)، الذي يمكن أن ينتج من قطاعات تشمل احتراق الوقود والكتلة الحيوية، أصبح أهم مادة مستنزفة للأوزون، إذ ما زال ينبعث بكميات كبيرة، إلى جانب كونه غازًا قويًا من غازات الاحتباس الحراري.

ويحيي العالم، اليوم، الموافق السادس عشر من أيلول/ سبتمبر، اليوم الدولي للحفاظ على طبقة الأوزون، إحياءً لذكرى توقيع بروتوكول مونتريال عام 1987م.

وفي 2026، يأتي اليوم تحت شعار "العمل العالمي من أجل كوكب أكثر برودة"، مع التركيز على اتفاقية "مونتريال"، وتعديل "كيغالي"، وخفض مركبات "الهيدروفلوروكربون" المستخدمة في التبريد.

غير أن غزة تدخل هذا اليوم من باب آخر تمامًا.. بالقرب من أبراج الكرامة المدمرة، شمالي قطاع غزة، وقف فادي محمد أمام "جبلٍ" من القمامة التي تراكمت قرب منزله منذ اليوم السابق.

كانت الكومة قد صارت ملجأً للحشرات والقوارض "بعوض يحوم فوق بقايا الطعام، وقوارض تبحث بين الأكياس والكرتون عما يمكن أكله" يقول.

لم يجد فادي طريقة لإبعادها عن بيته سوى إشعال النار، وهنا، سرعان ما تصاعد عمود من الدخان الأسود فوق الكومة، حاملًا معه رائحة البلاستيك المحترق وبقايا النفايات.

لم يكن فادي يتعامل مع النار بوصفها حلًا بيئيًا؛ كان يحاول فقط أن يستعيد شيئًا من المساحة المحيطة بمنزله، بعدما تحولت القمامة المتراكمة إلى مصدر للروائح والحشرات والقوارض.

وما يفعله ليس حالةً معزولة، فقد حذر المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، في وقتٍ سابق من أزمة انتشار الحشرات والقوارض مع تراكم أكثر من (370) ألف طن من النفايات الصلبة في مدينة غزة، إلى جانب أكثر من 25 مليون طن من الركام.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لم تكن الجهات العاملة في مجال النظافة تجمع سوى نحو (85%) من النفايات المتولدة في غزة في مطلع تموز/يوليو، فيما ظلت مواقع النزوح تعاني من تراكم النفايات وانتشار القوارض والحشرات، وقد سجلت الفرق الميدانية وجود القوارض والطفيليات في (83%) من مواقع النزوح التي جرى تقييمها.

وفي شباط/فبراير الماضي، قدرت الأمم المتحدة أن نحو (370) ألف طن من النفايات تراكمت في منطقة سوق فراس وحدها، فيما قُدرت كمية النفايات المتراكمة في أنحاء القطاع بنحو (900 ) ألف طن حتى ذلك الوقت.

لماذا يحرق الناس إذن ما يتكدس أمام بيوتهم؟ لأن منظومة جمع النفايات نفسها تعمل بأقل من قدرتها. فالبلديات تحتاج إلى الوقود والزيوت وقطع الغيار لتشغيل مركبات جمع النفايات وترحيلها، فيما تعرضت آليات ومعدات كثيرة للتدمير أو أصبحت خارج الخدمة خلال أعوام الإبادة.

وقبل ذلك، حذرت بلديات المحافظة الوسطى في 28 تموز/يوليو من توقف آليات جمع وترحيل النفايات بسبب نقص الوقود، بعدما قالت إن انقطاع السولار دفع خدمات البلديات إلى حافة الشلل.

البوابة 24