مشروع «صندوق فلسطين للتكافل والعلاج الإنساني»

مشروع «صندوق فلسطين للتكافل والعلاج الإنساني» مقترح وطني لإنشاء إطار قانوني وشفاف ومستدام لدعم علاج الحالات المرضية المستعصية إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

أولاً: فكرة المقترح تجسد المبادرات الشعبية لجمع التبرعات لعلاج الأطفال والمرضى الذين يعانون من أمراض مستعصية، ومنها حملة «لبيك يا بسملة» وغيرها من الحالات الإنسانية، أسمى صور التكافل الاجتماعي والمسؤولية الوطنية والرحمة الإنسانية. ومع تكرار هذه الحالات وارتفاع تكاليف العلاج، تبرز الحاجة إلى الانتقال من الحملات الفردية والمؤقتة إلى إطار مؤسسي قانوني ومنظم يضمن سلامة جمع التبرعات وإدارتها، ووصولها إلى مستحقيها، ويحمي المرضى وأسرهم والمتبرعين والقائمين على العمل الخيري من أي استغلال أو التباس أو سوء استخدام. وعليه، يُقترح إنشاء «صندوق فلسطين للتكافل والعلاج الإنساني»، أو اعتماد أي مسمى قانوني آخر تقرره الجهات المختصة، ليكون إطاراً وطنياً إنسانياً لدعم علاج الحالات المرضية المستعصية، وفق التشريعات الفلسطينية النافذة وبعد استكمال جميع إجراءات التسجيل والترخيص والموافقات القانونية اللازمة.

ثانياً: الغرض من المقترح يهدف المقترح بصورة أساسية إلى: إيجاد إطار قانوني ومؤسسي ينظم المبادرات الخاصة بجمع التبرعات لعلاج الحالات المستعصية. حماية المرضى وأسرهم والمتبرعين وضمان عدم استغلال الحاجة الإنسانية أو المعاناة المرضية. ضمان الشفافية المالية في جمع الأموال وقبضها وصرفها والإفصاح عن أوجه استخدامها. إخضاع الحالات لمعايير طبية واجتماعية ومالية موضوعية بعيداً عن المحاباة أو الضغط الإعلامي أو العلاقات الشخصية. توفير قناة مؤسسية يمكن من خلالها استقطاب الدعم العربي والدولي والمؤسسي لعلاج المرضى الفلسطينيين. بناء شراكات مع المستشفيات والمراكز الطبية والمؤسسات الخيرية والجهات المانحة بما يساعد على خفض تكاليف العلاج وتوسيع نطاق المستفيدين. حماية خصوصية المرضى وبياناتهم الطبية والشخصية وصون كرامتهم الإنسانية. تحويل المبادرات الإنسانية المتفرقة إلى منظومة تكافل مستدامة قابلة للتطوير والرقابة والتدقيق.

ثالثاً: المبادئ القانونية والإنسانية يقوم المشروع، في حال اعتماده، على مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها: لا يجوز جمع التبرعات أو فتح حسابات أو إطلاق حملات باسم الصندوق قبل استكمال التسجيل والترخيص والموافقات القانونية المطلوبة. تكون جميع الأموال من خلال قنوات مالية رسمية قابلة للتدقيق، ويحظر استخدام الحسابات الشخصية في جمع أو إدارة أموال الصندوق. توثيق جميع عمليات القبض والصرف بمستندات رسمية. الفصل بين الأموال المخصصة للحالات المختلفة، وإمكانية تتبع كل حملة مالياً. إخضاع الحسابات للمراجعة والتدقيق وفق القانون. اعتماد معايير طبية وموضوعية واضحة لقبول الحالات وترتيب الأولويات. منع تضارب المصالح والإفصاح عنه ومعالجته وفق الأصول. حماية البيانات الشخصية والطبية وعدم نشرها إلا في الحدود التي يسمح بها القانون وبعد الحصول على الموافقات اللازمة. صرف الأموال، حيثما أمكن، بصورة مباشرة إلى المستشفيات أو الجهات الطبية المعتمدة. توفير آلية للشكاوى والاعتراضات والمراجعة. عدم تقديم أي ضمانات طبية أو علاجية لا تستند إلى تقييم طبي متخصص. إخضاع المشروع وممارساته للتشريعات الفلسطينية النافذة والرقابة الرسمية المختصة.

رابعاً: الإطار المؤسسي المقترح يمكن، بعد الدراسة القانونية، أن يعمل الصندوق من خلال جهة أهلية أو مؤسسة مرخصة أو إطار قانوني مستقل، وفق ما تقرره الجهات المختصة. ويُترك للجهات المعنية تحديد: الشكل القانوني الأنسب للصندوق. الجهة الحاضنة أو المؤسسة المسؤولة عنه. مجلس الإدارة أو هيئة الإشراف. اللجان الطبية والمالية والقانونية والرقابية. آليات قبول الحالات وترتيب الأولويات. النظام المالي والإداري. آليات التدقيق والرقابة والإفصاح. مصادر التمويل والشراكات. آليات التعامل مع الفوائض أو تعذر العلاج أو انتهاء الحاجة إلى التمويل. وهذه المسائل تفاصيل تنفيذية وفنية ينبغي أن تحددها الجهات القانونية والمالية والطبية المختصة بعد دراسة المشروع، ولا يفترض هذا المقترح أن يحل محلها.

خامساً: الشفافية وحماية المال العام والخاص يقوم المشروع على قاعدة واضحة مفادها أن الثقة لا تُبنى بالنية الحسنة وحدها، وإنما بالتوثيق والرقابة والإفصاح. وعليه، ينبغي أن تكون جميع التبرعات والمصروفات قابلة للتحقق والمراجعة، مع بيان واضح للمتبرعين، بالقدر الذي يسمح به القانون، حول: المبالغ المتعهد بها. المبالغ المحصلة فعلياً. المبالغ المصروفة. الرصيد المتبقي. طبيعة المصروفات. أي مبالغ معادة أو معاد تخصيصها وفق القانون وشروط التبرع. كما ينبغي إصدار تقارير مالية وإدارية دورية، وتقرير ختامي لكل حالة أو حملة، مع المحافظة الكاملة على خصوصية المرضى والمتبرعين.

سادساً: الشراكة الوطنية والعربية والدولية لا ينبغي أن يقتصر المشروع على التبرعات الفردية، بل يمكن ـ بعد استكمال الإطار القانوني ـ تطوير شراكات مع: وزارة الصحة والمؤسسات الطبية. المستشفيات والمراكز العلاجية. الجمعيات والمؤسسات الخيرية المرخصة. القطاع الخاص وبرامج المسؤولية الاجتماعية. الصناديق العربية والإسلامية والدولية. الجهات المانحة والمؤسسات الإنسانية. ومن شأن هذه الشراكات أن تساهم في توفير العلاج، والحصول على أسعار تفضيلية، وتوسيع قاعدة التمويل، وإنشاء برامج علاجية مستدامة للحالات الفلسطينية المستعصية.

سابعاً: التنفيذ يقترح أن يتم التعامل مع المشروع على مراحل تبدأ بـ: الدراسة القانونية → اعتماد الجهة الحاضنة → استكمال الترخيص → وضع النظام الأساسي واللوائح → إنشاء النظام المالي والرقابي → تشكيل اللجان المختصة → تنفيذ حالات تجريبية محدودة → تقييم التجربة → توسيع الشراكات والتمويل. وتُترك التفاصيل المتعلقة بالمدد الزمنية والهياكل واللوائح والنماذج المالية والطبية وآليات العمل للجهات المختصة بعد اعتماد المبدأ العام للمشروع.

ثامناً: ضمانات أساسية ينبغي أن يتضمن الإطار القانوني النهائي، على وجه الخصوص، ضمانات تمنع: جمع الأموال دون ترخيص. استخدام الحسابات الشخصية. إساءة استخدام أموال التبرعات. تضارب المصالح. نشر البيانات الطبية أو الشخصية دون موافقة قانونية. استغلال صور الأطفال والمرضى أو معاناتهم لأغراض غير مشروعة. استخدام اسم الصندوق أو شعاره من جهات غير مخولة. توجيه الأموال إلى غير الغرض المعلن عنها إلا وفق القانون وشروط التبرع. تقديم معلومات مالية أو طبية غير دقيقة.

تاسعاً: الخلاصة إن الغاية من مقترح «صندوق فلسطين للتكافل والعلاج الإنساني» ليست إنشاء جهة جديدة لمجرد إنشاء جهة، وإنما تنظيم الجهد الإنساني الفلسطيني وحمايته وتحويله من حملات فردية متفرقة إلى عمل مؤسسي قانوني وشفاف ومستدام. فالحاجة الإنسانية موجودة، والاستعداد الشعبي للتكافل موجود، كما أن الحاجة إلى العلاج في كثير من الحالات تتجاوز قدرة الأسر والأفراد. ومن هنا تأتي أهمية إيجاد إطار مؤسسي قادر على جمع الجهود وتوجيهها وفق قواعد قانونية ومالية وطبية واضحة. وتبقى الحملات الإنسانية، ومنها حملة «لبيك يا بسملة»، نموذجاً لما يمكن أن يحققه التكافل الشعبي عندما تتوافر الإرادة المجتمعية؛ إلا أن تكرار هذه الحالات يستدعي التفكير في معالجة أصل المشكلة من خلال منظومة مؤسسية دائمة. وعليه، فإن هذا المقترح يُقدم كفكرة أولية قابلة للدراسة والتطوير، وليس كنظام قانوني نهائي، وتُترك للجهات الرسمية والأهلية والقانونية والطبية المختصة مسؤولية تحديد الشكل القانوني والآليات التنفيذية والمالية والفنية التي تكفل سلامة المشروع ونجاحه. والقاعدة التي ينبغي أن تحكم أي منظومة من هذا النوع: «لا جمع للتبرعات دون إطار قانوني، ولا أموال دون توثيق، ولا صرف دون رقابة، ولا شفافية على حساب خصوصية المريض، ولا عمل إنساني مستدام دون ثقة المجتمع.» إن حماية المريض، وصون كرامته، وحماية المتبرع، وضمان وصول المال إلى غايته العلاجية، هي في النهاية مسؤولية مشتركة تستحق أن تتحول من مبادرات فردية إلى مشروع وطني إنساني مؤسسي. إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

البوابة 24