في الذكرى الثامنة والثلاثين لوفاة الحاج رشاد الشوا

محمد سعد العجلة:

 يعتبر الحاج رشاد سعيد الشوا أحد الشخصيات الوطنية المهمة التي لعبت دوراً بارزاً في فلسطين بشكل عام وفي قطاع غزة بشكل خاص خلال القرن العشرين. فقد أهَّلته صفاتٌ ورثها عن والده الذي كان زعيماً معروفاً على مستوى فلسطين كلها وأبرز شخصية وطنية على مستوى جنوب فلسطين في زمانه، وأخرى اكتسبها من تجارب الحياة منذ صغره، أن تكون له شخصية متميزة مستقلة حرة وجريئة، جعلته لا يبالي في كثير من المحطات والفترات الزمنية بالثمن الذي يمكن أن يدفعه جراء المواقف التي يتخذها.

ولد رشاد الشوا عام 1909 في مدينة غزة بفلسطين، وكان أصغر إخوته الذكور، والذين شاءت الأقدار أن يكون لمعظمهم دور في الحياة العامة. (للحاج سعيد خمسة أبناء هم: رشدي وعادل وعز الدين وسعدي ورشاد، وثلاث بنات هن: راضية وملك وزلفى)

تزوج رشاد الشوا من سيدة لبنانية من عائلة معروفة بالعلم والصلاح، ورزقا بأربعة أبناء هم زهير، ومنصور، وهمام، وعلاء الدين، وابنتين هما ليلى وراوية التي أصبحت فيما بعد نائبة في المجلس التشريعي الفلسطيني.

 تلقى رشاد تعليمه الأساسي في مدارس القدس برغبة من والده الذي كان كثير التردد على المدينة المقدسة بحكم علاقاته وتنقلاته ومنصبه في المجلس الإسلامي الأعلى، وبقي فيها حتى أتم دراسته الثانوية 1927.

التحق رشاد بالجامعة الأمريكية في بيروت ما بين عامي 1928-1929 ودخل فريق الجامعة لكرة القدم وكان من أبرز اللاعبين، وحقق الفريق العديد من الانتصارات الكروية. وحدثت ظروف اضطرته لترك الجامعة، والالتحاق بالجامعة الأمريكية في القاهرة لإكمال دراسته، وتخرج منها عام 1934 بمرتبة شرف في الاقتصاد والعلوم السياسية وعاد إلى غزة وهو عازم على ممارسة الأعمال الحرة وخدمة المجتمع فباشر فوراً في تأسيس نادي غزة الرياضي، إلاّ أن عوامل ذاتية وأخرى موضوعية تتعلق بتطور الأوضاع في فلسطين في ظل الانتداب البريطاني، دفعته للتقدم إلى وظيفة قائمقام التي أعلنت سلطات الانتداب عن ثلاث منها في الصحف. وبعد مقابلة شخصية مع المندوب السامي البريطاني في القدس تم تعيينه قائمقام حيفا في الربع الأخير من عام 1935. ولم يمر إلا وقت قصير حتى اضطربت الأحوال في فلسطين، عقب استشهاد إمام جامع الاستقلال في حيفا الشيخ عز الدين القسام، هو وكوكبة من رفاقه، في أحراش يعبد قضاء جنين في نوفمبر 1935 إثر مواجهة غير متكافئة مع القوات البريطانية. ولما أحضرت قوات الشرطة البريطانية جثمان القسام إلى حيفا وسلمتها إلى عائلته لتتولى دفنها، عمم حاكم اللواء كيث روتش أمرا يحظر فيه اشتراك أحد من الإدارة في تشييع جثمان الشهيد، فتحدّى رشاد الشوا الذي تأثر كثيراً باستشهاد القسام، هذا الأمر واشترك في حمل الجثمان من جامع حيفا إلى سيارة الأوتوبيس التي نقلته إلى مثواه الأخير ورافق الجثمان بسيارته إلى "بلد الشيخ" جنوب شرقي حيفا. فاستدعاه حاكم اللواء في صباح اليوم التالي إلى مكتبه وأنبه لمخالفة التعليمات التي أصدرها بعدم الاشتراك في تشييع الجثمان وسجل عليه أول نقطة سوداء حسب رأيه تبعتها نقاط كثيرة بعد ذلك أخطرها إحساس حاكم اللواء بتعاون رشاد الشوا مع الثوار دون أن يمتلك دليلاً على إدانته، خاصة وأن أخاه عز الدين قائمقام جنين، كان على علاقة بالقائد فوزي القاوقجي الضابط في الجيش العربي السوري، وقائد جيش الإنقاذ العربي في حرب 1948 بعد ذلك. وانتهت الأمور بالإنجليز إلى إنهاء خدمات رشاد كقائمقام حيفا في عام 1937.

قبل وقوع النكبة كان الشاب رشاد يقيم في القاهرة وقد أعجبته السينما فنشط خلال هذه الفترة في صناعة السينما وإنتاج بعض الأفلام، وأنشأ أول سينما في غزة وهي سينما السامر في بداية الأربعينات، وفي ظل الإدارة المصرية لقطاع غزة أسس جريدة "الوطن العربي" الأسبوعية عام 1950، وترأس تحريرها وعاونه وديع الترزي وغالب النشاشيبي، واستمرت لمدة ثمانية شهور. وفي عام 1951 صدر قرار من الحاكم العام المصري لقطاع غزة بتعيين لجنة ثلاثية لإدارة بلدية غزة كان رشاد أحد أعضائها، وفي عام 1956 تم تعيين مجلس بلدي جديد من قبل الحاكم المصري تولى فيه رشاد منصب نائب الرئيس، وبقي تشكيل مجلسها البلدي كما هو حتى عام 1970، حيث قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإقالة المجلس البلدي وعينت ضابطاً إسرائيلياً قائماً بأعمال رئيس البلدية. وفي عام 1972 وقّع عشرات الآلاف من الغزيين عريضة قدموها لرشاد الشوا طالبوه فيها باستلام منصب رئيس البلدية، ونزولاً عند رغبة الجماهير وافق على استلام المنصب وتحمل المسؤوليات، لكن سرعان ما أصدر الحاكم العام الإسرائيلي أمراً بإقالة المجلس البلدي، وعلى إثرها عاد إلى البلدية ضابط ركن الداخلية التابع للاحتلال قائماً بأعمال رئيس البلدية للمرة الثانية. وتجددت معاناة سكان غزة من الإهمال وانعدام الخدمات الحقيقية والزيادات في الضرائب والرسوم، وارتفع من جديد رأي مدينة غزة بأن يدير المدينة مجلس بلدي عربي يحظى بموافقة وتأييد السكان، واتصلت وفود عديدة من السكان بالحاج رشاد الشوا مناشدة إياه بالعودة إلى تحمل مسؤولية إدارة البلدية، ونزولاً عند هذه الرغبة الشعبية، بادر إلى الاتصال بمختلف الشخصيات والهيئات لتشكيل مجلس بلدي، وقد اعترضت هذه الجهود مصاعب ومشاق عديدة إلا أن الأمر انتهى بتشكيل المجلس البلدي في أكتوبر 1975، واتخذ هذا المجلس العديد من المواقف المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي أدى إلى إقالته مع رئيس البلدية في يوليو 1982، ليعود ضابط ركن الداخلية الإسرائيلي، مرة أخرى لإدارة البلدية. واستمر هذا الوضع خلال فترة الانتفاضة وحتى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في 1994.

وفي السبعينيات أنشأ الحاج رشاد الهيئة الخيرية التي ساعدت على اتصال قطاع غزة بالدول العربية. وقدمت خدمات جليلة لأهالي القطاع، حيث ساعدتهم في تدبير أمورهم الحياتية في ظل الاحتلال من سفر وتعليم وتجارة، خاصة وأن القطاع ومنذ وقوعه تحت الاحتلال بعد حرب حزيران 1967 أصبح منطقة معزولة تماماً عن باقي الفلسطينيين وعن العالم العربي وازدادت معاناة سكانه يوماً بعد يوم، فلا تجارة ولا تعليم ولا سفر ولا جواز سفر ولا عمل في الخارج ولا أداء لفريضة الحج ولا تصدير بضائع.

وفي خطوة نوعية، تم تشييد مركز رشاد الشوا الثقافي الذي استغرق بناؤه عشر سنوات وافتُتح عام 1988، وهو صرح شامخ استفاد منه جميع فئات الشعب، وشهدت أروقته مؤتمرات واجتماعات على مستوى دولي وتاريخي. وكان الهدف من بناء المركز الثقافي محاولة إنهاء العزلة الثقافية والحضارية التي عانى منها الشعب الفلسطيني طوال فترة الاحتلال الإسرائيلي.

واستقبل الحاج رشاد في بيته الفسيح والشامخ بمدينة غزة، كثيراً من زعماء العالم والسياسيين والدبلوماسيين، فضلاً عن غالبية الشخصيات السياسية والعامة الفلسطينية ورؤساء البلديات. ومن الضيوف البارزين الذين قابلهم في منزله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر عام 1983، الذي كان قد أنهى فترة رئاسته للولايات المتحدة الأمريكية.

ومن خلال مواقعه المختلفة، وحضوره الجماهيري كزعيم جريء وقوي، لعب الحاج رشاد أدواراً هامة على صعيد المجتمع المحلي وتخفيف آثار الاحتلال الضاغطة على المواطنين. ومن أبرز المواقف الوطنية للحاج رشاد، أنه عندما انتفض الأطباء في غزة بوجه الاحتلال عام 1981، كان لا بد للأطباء من اللجوء إلى ركن وطني بارز، فكان اللقاء الذي جمع كل النسيج الوطني آنذاك في بيت الحاج رشاد الشوا، وفي هذا اللقاء تم اتخاذ قرارات وطنية ذات علاقة بإضراب الأطباء.

وعلى صعيد التواصل مع القيادة الفلسطينية، كان الحاج رشاد لا يتوانى عن اللقاء بقادة منظمة التحرير خارج الوطن وفي مقدمتهم الزعيم ياسر عرفات رحمه الله، ويقدم لهم صورة واقعية وعن كثب حول ما يدور في قطاع غزة والضفة الغربية ومخططات الاحتلال الإسرائيلي، ورؤيته تجاه التطورات السياسية والحالة الاقتصادية والاجتماعية، وسبل مساعدة الناس في حل مشاكلهم.

توفي الحاج رشاد الشوا بتاريخ 27 سبتمبر/ أيلول من عام 1988، بعد حياة حافلة بالعمل والإنجاز على كل المستويات وكل الصعد. وخرجت جنازته من المسجد العمري الكبير وسط مدينة غزة في موكب مهيب تقدمه كبار شخصيات البلد ورجالاتها، ومن جميع التيارات السياسية والاجتماعية وحتى الدول المجاورة والأجنبية، وكان يوم رحيله أشبه بمناسبة وطنية كبرى، وحدثاً هزّ المشاعر والوجدان.

كاتب صحفي

[email protected]

البوابة 24