محمد سعد العجلة:
على الرغم من آلام وأوجاع غزة، والحرب المتوحشة التي لا تريد أن تنتهي، فإنها تفاجئك دائماً بإبداعات أبنائها وبناتها في مختلف المجالات. إبداعات تولد من رحم المعاناة ومن بين الركام وبؤس الخيام.
وقع بين يدي مؤخراً، كتاب بعنوان "حين يصبح الخيال حكاية" للكاتبة الغزاوية رولا حسام العجلة، البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً! والأعوام الثلاثة الأخيرة من عمرها الفتيّ عاشتها في حرب الإبادة الجماعية. سيدهشك الكتاب بما يتضمنه من خصوبة خيال وقدرة على السرد القصصي ونسج الحكايات واستخلاص العبر.
في وصفها للكتاب تقول رولا إنه "كتاب أدبي يضمّ حكايات خيالية تمزج الغموض بالعمق النفسي والفلسفي وتتناول الفقد والحنين والذاكرة والهوية تعبر حكاياته حدود الواقع لتستكشف النفس البشرية بأسلوب يجمع بين التشويق والرمزية ويترك للقارئ مساحةً للتأمل واكتشاف المعنى"
تقول الكاتبة في المقدمة "ماذا لو أن الخيال ليس اختراعًا كما نظن بل نافذة صغيرة تطّل على أشياء لمُ يسمح لها أن تحدث؟ في هذا الكتاب لا تأتي الحكايات من مكاٍن واضح، بعضها ولد من سؤال وبعضها من فقد وبعضها من حياٍة كان يمكن أن تكون لنا لو تغير شيئ واحد فقط"
وتضيف رولا في مقدمتها "ستجد أبوابًا لا تعرف إلى أين تؤدي وأشخاصًا يشبهون من فقدتهم وأماكن قد لا تجدها على أي خريطة وربما تجد بين السطور شيئًا ظننته خيالاً ثم تتساءل لماذا يبدو مألوفًا إلى هذا الحد؟"
وتنصح الكاتبة القارئ "لا تبحث هنا عن الحقيقة كاملة. فبعض الحقائق لا تقال، وبعض الحكايات لا تبدأ إلا حين نتوقف عن تصديق أنها مجرد خيال، وربما حين تطوي الصفحة الأخيرة ستبقى هناك فكرة واحدة لا تستطيع التخلص منها: ماذا لو كانت هذه الحكايات قد حدثت فعلاً ولكن ليس هنا؟"
في قصصهها وحكاياتها، أطلقت الكاتبة العنان لفكرها أن يكتشف ما ليس مألوفاً. ففي قصتها الأولى وهي بعوان "الغرفة التي تحقق الأمنيات" تكتشف مع مرور الأيام "لم أعد أخاف حتى من الأشياء التي أحبها، ولم أعد أخشى خسارتها، لأنني لم أعد أخشى فقدانها أصلاً. حين أحببت شيئًا لم أعد أرتجف من فكرة أن يرحل. وحين اقترب مني شخص لم أعد أخشى أن أخسره. وحين حدث شيئ جميل لم يعد يهمني كثيراً أن يبقى"
في قصة أخرى بعنوان " لو أنك جئت قبل أن أتغير" نقرأ مثل هذه الجمل والعبارات:
- بعض الأبواب لا تفتح إلى الأماكن بل إلى االاحتمالات
- المستحيل كلمة اخترعها الناس حين لم يجدوا تفسيرا مناسبًا للأشياء
- لا أحد يتغير دفعة واحدة، نحن نتخلى عن أنفسنا قليلاً في كل مرة
- لكل حياة خسارتها
- كل طريق يأخذ منك شيئًا
- حتى الحياة التي ظننت أنها أجمل من حياتي كانت تخفي حزنًا لم أره من خلف
الأبواب
- الحياة الجميلة هي التي تستطيعين النظر إلى ندوبها دون أن تتمني اختفاءها
في قصة ثالثة نقرأ أن "بعض الأحلام لا تأتي لتأخذنا إلى حياة أخرى، بل لترينا الحياة التي نفتقدها حتى نبدأ بصنعها" وتمضي بنا الكاتبة لتقول لنا في قصة رابعة "بعض الأسرار تصبح أجمل حين تبقى أسراراً" وكذلك "لا تجعل اختلافك عن الآخرين سببًا في أن تشك بنفسك" وفي موضع آخر ترى أنه "ربما كان الشيء الذي يراه الجميع عاديًا يحمل في داخله عالمًا كاملاً لا يفتح أبوابه إلا لمن يعرف كيف يصغي"
وتأخذنا الكاتبة في جميع القصص إلى عالمها ومفاهيمها عن الذات والحياة والحاضر والمستقبل، وهي قصص مليئة بالاستنتاجات المغايرة، من قبيل "لا أحد يعرف الطريق كاملاً. اختاروا ما تستطيعون اختياره اليوم واتركوا للغد حقه في أن يفاجئكم. فقد لا تكون أجمل نسخة منكم هي التي خططتم لها منذ البداية، بل تلك التي تصنعونها وأنتم تمشون"
وفي المحصلة، أنت أمام كتاب لا يمكن أن تتوقع أن مؤلفته غادرت طفولتها قبل بضع سنوات، وأنها أصبحت الآن في السنة الأولى من الدراسة الجامعية، تخصص الإرشاد النفسي. ومن خلال التواصل معها ومعرفة سيرتها، فهي تميل إلى التأمل في المشاعر ومحاولة فهم أسبابها وما تتركه من أثر في الإنسان، كما تستهويها القضايا الإنسانية والتجارب التي تشكل المشاعر والنظرة إلى الحياة وتجد في الكتابة وسيلةً للتعبير عما تفكر فيه وتشعر به وترجمة ما يصعب عليها قوله بصورة مباشرة.
تقول رولا إن علاقتها بالأدب بدأت في طفولتها حين كانت تجد في كتب الأطفال وقصصهم عوالم تستوقف خيالها وتوسّع مداركها، ومع كل مرة كانت تمسك فيها القلم كانت تحاول أن تتعلم وتقترب أكثر من الكتابة حتى تحوّلت تلك المحاولات البسيطة مع مرور الوقت إلى هواية رافقتها ونمت في داخلها، وأصبحت الكتابة مساحة تعبّر فيها عما يختلج في نفسها من أفكار ومشاعر. وقد سبق وأن نشرت عدة قصص، قبل إصدار هذا الكتاب الذي بين أيدينا.
مما لا شك فيه، أننا أمام مشروع كاتبة موهوبة ومبدعة، خاصة وأن عمرها يساعدها في تطوير وتنمية وصقل هذه الموهبة بالكثير من القراءة واستمرار الكتابة، وأنصح أن تستثمر براعتها الأدبية في الاتجاه نحو الكتابة الواقعية، وملامسة المعاناة التي يعيشها أهلنا في غزة وفلسطين بشكل مباشر.
كاتب صحفي
