محمد سعد العجلة:
للمبدع والكاتب الفلسطيني الاستثنائي الشهيد غسان كنفاني، كتاب صدر عن دار الآداب عام 1966 وهو لا يزال في الثلاثين من عمره، بعنوان "أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 - 1966" وهو دراسة نقدية وتوثيقية رائدة، يسلط فيها الضوء على الأدب الذي كتبه مبدعون فلسطينيون بقوا في أراضي 1948 تحت الاحتلال.
جاء هذا الكتاب المرجعي في ثلاثة فصول؛ تتبع في أولها وهو بعنوان "أدب المقاومة بعد الكارثة" مخاض الأدب الفلسطيني وتحوله من مرثية للجوء والنكبة إلى مانيفستو حي للثورة والصمود ورفض التشتت والتهجير والاقتلاع. وفي الفصل الثاني الذي حمل عنوان "البطل العربي في الرواية الصهيونية مقابل أدب المقاومة"، فكك كنفاني الأيديولوجيا الصهيونية عبر تحليل الصورة النمطية السلبية التي رسمها أدب الاحتلال للعربي لتبرير جرائمه، مقدماً في المقابل البديل الإنساني المتمثل في الفدائي والمقاوم. أما الفصل الثالث بعنوان "نماذج من شعر المقاومة العربي"، فكان احتفاءً نقديّاً بنماذج شعرية ولدت في قلب الحصار، حيث أثبت كنفاني أن هذا الشعر لم يكن نواحاً، بل إشراقاً ثورياً مدهشاً، مستشهداً بأشعار توفيق زياد، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وسالم جبران، ونايف سليم والقروي.
وبعد هزيمة حزيران 1967، صدر لكنفاني كتاب آخر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعنوان "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968" شعوراً منه -كما يبدو- بضرورة استكمال مشروعه التوثيقي، وفيه أيضاً يرصد ويوثق الأدب الذي أنتجه المبدعون الفلسطينيون في أراضي 1948 الذين كانوا يعانون أقسى ظروف القمع والاحتلال.
اشتمل هذا الكتاب أيضاً على ثلاثة فصول، أولاها حمل عنوان "الوضع الثقافي لعرب فلسطين المحتلة" ورصد فيه الظروف القاسية والعزلة التي عانى منها العرب في الداخل الفلسطيني بعد نكبة 1948، وسياسات الاحتلال الرامية إلى طمس الهوية الثقافية واللغوية وتدجين الوعي. وحلل في الفصل الثاني وهو بعنوان "أدب المقاومة الفلسطيني – أبعاد ومواقف" كيف تحول الأدب من مجرد تعبير عن النكبة والحزن إلى سلاح فاعل للصمود والدفاع عن الهوية، ويركز على خصائص هذا الأدب، مثل الالتزام السياسي، والواقعية، والدعوة للثورة والرفض والتغيير، والتمسك بالأمل والإيمان بالمستقبل. بينما خصص الفصل الثالث وحمل عنوان "نماذج من الشعر والأقصوصة والمسرحية" لتقديم نصوص ونماذج تطبيقية لأبرز أدباء تلك المرحلة، ويذكر منهم في الشعر حنا أبو حنا، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وفوزي الأسمر، ونزيه خير، ومحمود دسوقي. وفي الأقصوصة أبو سلام، وفي المسرحية توفيق فياض.
وربما أول ما يتبادر إلى الذهن، في ظل التشابه بين الكتابين: ما الفرق بينهما؟
أول الفروق تظهر لنا في العنوانين، ولا أقصد هنا زيادة سنتين في الفترة الزمنية للدراسة (على أهمية هاتين السنتين من ناحية تاريخية، لوقوع هزيمة حزيران 1967 فيهما) ولكن قصدت التغيير في مبنى العنوان. فبالتأكيد حينما اختار كنفاني تغيير عنوان الكتاب الثاني، كان ذلك مقصوداً. ومن وجهة نظري، فإن العنوان الثاني أكثر تحديداً وواقعية ونضجاً.
ثم قد يسعف فهرسا محتويات الكتابين في تقديم إجابة على هذا السؤال إلى حد كبير، فكل كتاب يشتمل على ثلاثة فصول، أرى أن اثنين منهم في الكتاب الأول يتشابهان مع اثنين في الكتاب الثاني، فيما انفرد كل كتاب بفصل لا يوجد له مثيل في الكتاب الآخر. ولا يعني هنا التشابه في الفصلين المشار إليهما التطابق بينهما، فهناك اختلاف في طريقة التناول وبعض الزيادات.
وعلى كل حال، يجيبنا كنفاني بنفسه في مقدمة الكتاب الثاني على هذه النقطة "البحث التالي ليس طبعة جديدة أو منقحة لكتابي الذي أصدرته دار الآداب باسم أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 – 1966، بل يمكن اعتباره إلى حد بعيد دراسة مكملة، خطوة ثانية في هذا النطاق، ولا يسعني إلا أن أشير إلى أن الكتاب الأول يعتبر مقدمة ضرورية لهذا الكتاب، سواء من حيث التحليل أو من حيث النماذج" وبهذا المعنى الذي أراده كنفاني يعتبر الكتاب الثاني امتداداً وتعميقاً للكتاب الأول.
وبعيداً عن الفرق بين الكتابين، فإن حقيقة راسخة وذات أهمية وقيمة كبيرتين تبرز هنا وهي، أن غسان كنفاني يُعتبر المؤسس الحقيقي لمصطلح "أدب المقاومة" في النقد الأدبي العربي. وهو الذي أخذ على عاتقه اكتشاف هذه الظاهرة وتوثيقها ونحت مصطلحها وتقديمها إلى القراء والنقاد العرب، بدافع المسؤولية الوطنية، في وقت كان فيه العالم العربي لا يعرف شيئاً عن هذا الأدب نتيجة الحصار المفروض على العرب الفلسطينيين في أراضي 1948، واستطاع كنفاني بوعيه النقدي (وهو المبدع والكاتب الذي كان قد نشر العديد من الروايات والقصص القصيرة والدراسات) أن يكتشف إنتاجهم الأدبي ويقدمه كأداة نضالية صلبة. وقد تميز كنفاني وهو يكتشف أدب المقاومة بالجرأة في الطرح، والحماس لأدباء وطنه (الذي يعيش بعيداً عنه في المنفى) إذ يقول بصراحة ووضوح في الكتاب الأول "إن أدب المقاومة العربي في الأرض المحتلة يقدم لتواريخ الأدب المقاوم في العالم نموذجاً متقدماً في الحقيقة وعلامة جديدة، نادراً ما استطاعت آداب المقاومة المعروفة في العصور الحديثة أن تحقق ما يوازيها في المستوى مقارنة بمهماته الصعبة وشديدة التعقيد وظروفه" بل إن كنفاني يحتفي بهذا الأدب احتفاء شديداً ويراه "حلقة في سلسلة الثورة العربية الدائمة فهو قد ضبط خطاه عبر كل حواجز القمع والإرهاب واعتبر نفسه بداهة جزءاً منها وانفعل بجوانبها المشرقة انفعالاً عميقاً خلاقاً" وفي الكتاب الثاني يرى كنفاني أن " أدب المقاومة الذي رأيناه في فلسطين المحتلة خلال السنوات العشر الماضية أدباً لا ينوح ولا يبكي، لا يستسلم ولا ييأس، ولا يناقض نفسه ويمر عبر تشنجات عصبية واهتزازات ناتجة عن سوء وعي الموقف على حقيقته، لأن رؤياه لم تكن ارتجالاً عاطفياً، ولكن وعياً عميقاً ومسؤولاً لأبعاد المعركة التي وجد نفسه في صميمها، ولذلك فإنه تجنب ظاهرة الانتكاسات الذاتية الرومانسية التي شهدها معظم الشعر العربي في هذه الآونة، والتي نلاحظ أنها تشتد وتأخذ طابع النُواح والهستيريا والتنصل، كلما كانت تجربة الشاعر نفسه أكثر بعداً عن إدراك أبعاد التزاماته ووعيها في السابق".
على أن هذا الحماس والإعجاب الشديد من قبل غسان كنفاني بأدب المقاومة في فلسطين، لم يكن أبداً على حساب الناحية الفنية والموضوعية. فتراه مثلاً في كتابه الثاني يقول "وحين يتصفح الناقد شعر محمود درويش وسميح القاسم وغيرهما، في أوائل عهد هؤلاء الشعراء بنظم الشعر، يلحظ ذلك بصورة واضحة، فشعر هؤلاء لا يتصف فقط برفض عصبي لظاهرة اجتماعية محدودة، ولكنه يتصف أيضاً بضعف مثير للدهشة في بنائه الفني" وفي المقابل كان كنفاني ينصفهم فنياً حيثما كان ذلك موضوعياً، ففي سياق تناوله لظاهرة القمع الإسرائيلي لهؤلاء الأدباء يذكر أن شاعراً مثل محمود درويش قد جدد رؤياه وطور أداءه بصورة مذهلة خلال وجوده في السجن.
ولا يفوت كنفاني، وهو يتابع حركة الأدب الفلسطيني، أن يسجل ملاحظاته على القصة القصيرة آنذاك. فقد جاء في كتابه الثاني "حقق شعر المقاومة درجة من التقدم الفني أكثر بكثير مما أتيح فن القصة أو الرواية" ويؤكد هذا المعنى في موضع آخر "من الملاحظ بوضوح أن هذه القصص، التي تشكو في الغالب من تصدع فني كبير، تشكو أيضاً من عجزها عن الوصول إلى المستوى الذي وصل إليه الشعر في فلسطين المحتلة. وسبب ذلك لا يعود فقط إلى أن الشعر وسيلة فنية أكثر رسوخاً وأكثر قدرة على الانتشار وأكثر ملاءمة لهذا الغرض فنياً، ولكن أيضاً لأن وسائل النشر، في الظروف التي يعيشها عرب الأرض المحتلة، لا تسمح بتطور سريع في موضوع القصة بالذات" وهذا ما ذهب إليه في كتابه الأول "في هذا الجو من الحصار يجب أن نتوقع أن يكون الشعر هو السباق في توجيه نداء المقاومة، ذلك أنه يستطيع أن ينتشر دون أن يطبع، وأن ينتقل من لسان إلى لسان"
ورغم أن كنفاني أفرد مساحة كبيرة في الكتابين لتناول الشعر والنماذج الشعرية بالمقارنة مع فنون النثر، إلا أنه استشهد في كتابه الثاني بقصة "وأخيراً نور اللوز" للكاتب "أبو سلام"، وهي الحلقة الثانية من قطعة ذات ستة فصول اسمها "سداسية الأيام الستة" وتعتبر وحدها قصة قصيرة، واحتلت هذه القصة خمس عشرة صفحة من الكتاب. ولنعرف بعد صدور الكتاب الثاني لكنفاني بحوالي عام، أن كاتب القصة "أبو سلام" هو الروائي إميل حبيبي، الذي سيصبح فيما بعد من أبرز الروائيين الفلسطينيين في التاريخ المعاصر. وقد صدرت السداسية سنة 1969 وأعادت نشرها منظمة التحرير الفلسطينية دائرة الإعلام والثقافة. وكما أورد كنفاني القصة سالفة الذكر، فقد استشهد بمسرحية لتوفيق فياض بعنوان "بيت الجنون" وهي مسرحية مكونة من فصلين، واحتلت حوالي أربعين صفحة.
تأسيساً على ما تقدم، فإن كتابي غسان كنفاني ليسا مجرد رصد ببليوغرافي أو توثيق تاريخي لأدب الأرض المحتلة؛ بل هما في الأساس وثيقتان نقدّيتان أسستا لوعي أدبي ونضالي تجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية. لقد أثبت كنفاني، من خلال هذين الكتابين، أن أدب المقاومة ليس مجرد حماسة عاطفية تسقط في فخ النواح، بل هو اشتباك جمالي واعٍ يوازن بين عدالة القضية ورصانة البناء الأدبي. ومن هنا، تظل قراءة كنفاني لهؤلاء الأدباء قراءة استشرافية حية، تذكرنا دائماً بأن الكلمة أقوى من محاولات الطمس والتعتيم والخنق، وقادرة على اختراق جدران الحصار المطبق، لتبشر بفجر الحرية والتحرر من الظلم والاحتلال.
كاتب صحفي
