غزة/ البوابة 24- إسلام أيمن:
في غزة، لا تبدأ حكايات جرائم القتل وتنتهي دائمًا داخل قاعة المحكمة، فمع استمرار الإبادة، وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية على أداء مهامها بصورة طبيعية، اتسع حضور لجان الإصلاح والعشائر في معالجة النزاعات، بما فيها قضايا أزهقت فيها أرواح.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه جهات رسمية أن لجان الإصلاح تعمل بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، يشدد مسؤولون عشائريون على أن دورهم لا يفترض أن يكون بديلًا عن الشرطة أو النيابة أو القضاء.
لكن اتساع هذا الدور يطرح إشكالية قانونية تتجاوز قدرة العشائر على احتواء النزاعات ومنع امتدادها: أين ينتهي الصلح العشائري وتبدأ مسؤولية الدولة عن ملاحقة جرائم القتل؟ وما الفرق بين الدية بوصفها تسوية مالية أو عرفية، والتنازل عن الحق الشخصي، وانقضاء الدعوى الجزائية؟ وهل يؤدي قبول عائلة المجني عليه بالدية إلى إنهاء القضية أمام القضاء، أم أن لكل مسار شروطه وآثاره التي لا يملك أطراف الصلح تجاوزها؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من التمييز بين النصوص القانونية التي تنظم الدية والتعويض، والأحكام التي تضبط تحريك الدعوى الجزائية واستمرارها، وبين الممارسات العشائرية التي تتشكل وفق الأعراف والاتفاقات بين الأطراف، فهذه المسارات قد تتقاطع في القضية الواحدة، لكنها ليست متطابقة، ولا يكفي الاتفاق على الدية وحده للجزم بأن المسؤولية الجزائية قد انتهت.
الدية في القانون.. ماذا يقول النص؟
ينظم قانون المخالفات المدنية رقم (36) لسنة 1944م، المعدل بموجب قانون رقم (5) لسنة 1947م، جانبًا من الأحكام المتعلقة بالدية. وتنص المادة (70) من القانون، بعد تعديلها، على اختصاص محكمة العشائر أو المحكمة الشرعية بالحكم بالدية، كما تقرر أنه إذا حكمت إحدى هاتين الجهتين بالدية عن الفعل ذاته، فلا يُحكم بالتعويض عنه بموجب قانون المخالفات المدنية. ويُظهر نص التعديل إضافة المحكمة الشرعية إلى الجهات المذكورة في المادة، إلى جانب محكمة العشائر.
غير أن قراءة هذا النص تستدعي الانتباه إلى حدود ما ينظمه؛ فهو يتناول الدية وعلاقتها بالتعويض المدني، ولا ينص بذاته على أن تدخل مختار أو لجنة إصلاح عشائري، أو اتفاق عائلتين على مبلغ مالي، يؤدي تلقائيًا إلى إسقاط الدعوى الجزائية.
أما المسار الجزائي، فيحكمه إطار قانوني آخر. فالمادة (1) من قانون الإجراءات الجزائية رقم (3) لسنة 2001 تنص على أن النيابة العامة تختص دون غيرها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها، وأن وقف الدعوى أو التنازل عنها أو تركها أو التصالح عليها لا يجوز إلا في الحالات التي يحددها القانون. ويعني ذلك أن إرادة أطراف النزاع، على أهميتها في تسوية الحقوق الشخصية، لا تحل وحدها محل الإجراءات التي يقررها القانون للدعوى الجزائية.
وتزداد أهمية هذا التمييز عند النظر إلى المادة (197) من القانون نفسه، التي تجيز للمدعي بالحق المدني التنازل عن ادعائه في أي مرحلة من مراحل الدعوى، لكنها تنص صراحة على أن هذا التنازل لا يؤثر في الدعوى الجزائية.
وبذلك، فإن التنازل عن المطالبة المدنية ليس، في ذاته، سببًا لإنهاء الملاحقة الجزائية، ولا يجوز الخلط بينه وبين التنازل الذي يرتب أثرًا جزائيًا في الحالات التي يحددها القانون.
وتنص المادة (4)، في فقرتها الثانية المعدلة بقرار بقانون رقم (17) لسنة 2014، على جواز التنازل عن الدعاوى التي قيد القانون مباشرتها على شكوى أو ادعاء بالحق المدني من المجني عليه حتى صدور حكم نهائي، مع ترتيب أثر إسقاط دعوى الحق العام على ذلك التنازل. لكن هذا الحكم يتعلق بالدعاوى التي حدد القانون طبيعتها وشروط تحريكها، ولا يصح تعميمه على جرائم القتل من دون تحديد الوصف القانوني للجريمة والنصوص المنطبقة عليها.
ويكتسب هذا الإطار أهمية إضافية في ضوء القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003، إذ تنص المادة (97) على استقلال السلطة القضائية، وأن المحاكم تصدر أحكامها وفقًا للقانون، فيما تقرر المادة (98) أن القضاة مستقلون، ولا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأي سلطة التدخل في القضاء أو شؤون العدالة. وتضع هذه الأحكام حدًا فاصلًا بين الدور الاجتماعي الذي تؤديه لجان الإصلاح في تقريب وجهات النظر، والاختصاص القضائي الذي لا يحل الاتفاق العرفي محله.
الحرب توسّع الدور.. لكنها لم تلغِ القضاء
على الأرض، اتسع حضور لجان الإصلاح في الحياة اليومية للغزيين خلال الحرب، مع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على العمل بالوتيرة المعتادة.
وفي تقرير نشرته الجزيرة في مارس/آذار 2026م، قال علاء الدين العكلوك، رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية في غزة "إن التجمع لا يسعى إلى أن يكون بديلًا عن الشرطة أو الحكومة أو القضاء أو النيابة، لكنه يحاول سد جزء من الفراغ الذي خلّفه تراجع حضور هذه المؤسسات".
ووفق ما أورده التقرير، تعامل التجمع خلال فبراير/شباط مع 1585 قضية مختلفة، بينها 15 قضية قتل، فيما أكد رئيسه أن اللجان نجحت في معالجة 82 قضية قتل منذ بداية الحرب.
وهذه الأرقام، كما وردت في إفادة المسؤول العشائري، تعكس حجم الدور الذي باتت تؤديه لجان الإصلاح، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد المآلات القانونية للقضايا أو عدد الملفات التي أُغلقت رسميًا أمام الجهات القضائية.
وفي إحدى القضايا التي تناولها التقرير، انتهت جهود الصلح إلى اتفاق على دية مغلظة قدرها 54 ألف دينار أردني، فيما تحدث رئيس اللجنة عن العمل على إخراج المتهم من السجن بعد إتمام المصالحة.
وفي قضية أخرى، جرى الاتفاق على دفع 20 ألف دينار كدفعة أولية، قبل إحالة تحديد الدية إلى لجنة شرعية.
وتكشف هذه الوقائع عن تداخل عملي بين مسار الصلح ومسار الاحتجاز، لكنها لا تثبت أن الاتفاق العشائري وحده يشكل سندًا قانونيًا للإفراج عن متهم، فالإفراج عن المحتجز، شأنه شأن استمرار توقيفه، يخضع للإجراءات والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة وفق القانون، وهو ما يجعل التحقق من القرار الرسمي في كل حالة ضروريًا قبل نسبة الإفراج إلى الصلح وحده.
كما تفتح هذه الوقائع سؤالًا بشأن طبيعة العلاقة بين لجان الإصلاح والمؤسسات الرسمية: هل تقتصر وظيفة اللجان على الوساطة واحتواء النزاعات، أم تتداخل ممارساتها في بعض الحالات مع إجراءات التحقيق والتوقيف وتنفيذ الأحكام؟ وأين تقع الحدود العملية والقانونية بين الدورين، خصوصًا في ظل ظروف الحرب؟
من نقل الجيرة إلى التنازل.. مسارات لا تتطابق
وفي إحدى الحالات التي رواها رجل إصلاح -فضل عدم ذكر اسمه- لـ"البوابة 24"، قُتلت سيدة في حي الزيتون عن طريق الخطأ، وبدأ المخاتير إجراءات التسوية من خلال ما يُعرف بـ"نقل الجيرة"، قبل أن تدفع عائلة المتسبب 10 آلاف دينار كدفعة أولى من الدية لعائلة المجني عليها، على أن يُستكمل تحديد المبلغ النهائي".
وفي العرف العشائري، يُستخدم "نقل الجيرة" ضمن إجراءات الصلح التي تتيح الانتقال من حالة الخصومة إلى التفاوض على التسوية، غير أن بدء هذه الإجراءات أو دفع جزء من الدية لا يثبت، بمفرده، انتهاء الدعوى الجزائية؛ إذ يتطلب ذلك معرفة ما جرى في الملف الرسمي، وما إذا اتُّخذ قرار من الجهة المختصة، وعلى أي أساس قانوني استند.
وفي قضية أخرى، رفضت عائلة المجني عليه التنازل عن حقها أو قبول تسوية عشائرية تقوم على دفع الدية، وتمسكت بالمطالبة بالقصاص، بحسب رواية المصدر نفسه. ووفق الإفادة، ظل المتهم محتجزًا لدى الشرطة أو النيابة، في وقت تطرح فيه ظروف الحرب وضعف إمكانات المؤسسات العدلية أسئلة عن قدرة الجهات المختصة على استكمال الإجراءات وتنفيذ الأحكام.
لكن وصف هذه الحالة يستلزم التمييز بين مطالبة العائلة بالقصاص بوصفها موقفًا من النزاع، وبين الحكم القضائي الذي يحدد المسؤولية والعقوبة وفق القانون، فمطالبة ذوي المجني عليه لا تعادل حكمًا بالإعدام، كما أن استمرار الاحتجاز لا يثبت وحده صدور حكم نهائي أو تعذر تنفيذه. ومن ثم، ينبغي التحقق من المرحلة التي بلغتها القضية، والجهة التي أصدرت قرار التوقيف، وما إذا صدر حكم قضائي بشأنها.
أما في قضية ثالثة، فقد قُتل شخص خلال محاولة سرقة، بحسب ما ورد في رواية رجل الإصلاح، وانتهى مسار التسوية العشائرية إلى الاتفاق على دية قدرها 40 ألف دينار، مع بدء تنفيذ الاتفاق. وأضاف المصدر أن "تنازلًا عن القضية قُدم أمام القضاء تمهيدًا لحلها عشائريًا".
الدية ليست رقمًا واحدًا
يقول رجل الإصلاح: "إن متوسط الدية المتداول في غزة يبلغ نحو 40 ألف دينار أردني، مقابل نحو 80 ألفًا في الضفة الغربية، مع اختلاف القيمة من قضية إلى أخرى تبعًا لظروف الجريمة، وما إذا كان القتل وقع عن طريق الخطأ أو العمد، وموقف عائلة المجني عليه من الصلح".
لكن هذه الأرقام، وفق المصدر، قيم متداولة في العرف والممارسة، وليست جدولًا ماليًا موحدًا يمكن نسبته إلى المادة (70) من قانون المخالفات المدنية، فالنص القانوني المذكور ينظم اختصاص الحكم بالدية وعلاقتها بالتعويض المدني، ولا يحدد في صيغته الواردة هنا قيمة ثابتة بالآلاف لكل حالة قتل.
وتزداد المسألة تعقيدًا في ظروف الحرب، حين تتراجع قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بصورة طبيعية، بينما تتولى لجان الإصلاح معالجة نزاعات قد يكون استمرارها مصدرًا لخطر إضافي على العائلات والمجتمع. ففي مثل هذه الظروف، قد يؤدي الصلح دورًا اجتماعيًا مهمًا في احتواء الخصومة ومنع امتدادها، لكن أهميته لا تعني أن إجراءاته تحل محل التحقيق أو المحاكمة أو تنفيذ الأحكام.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تحسمه الوقائع والوثائق، لا الأعراف وحدها: عندما تتفق عائلتان على الدية في قضية قتل، من يحدد مصير الدعوى الجزائية؟ وما الضمانات التي تحول دون الخلط بين تسوية الحقوق الشخصية وإنهاء المسؤولية الجنائية؟ وبين حاجة المجتمع إلى الصلح، وحق ذوي الضحايا في المطالبة بحقوقهم، وواجب الدولة في إنفاذ القانون، تتحدد المسافة التي ينبغي أن تبقى واضحة بين الدية والقضاء.
