"مفاجأة" نتنياهو: هل يسير تقويض السلطة على خطى الضم؟

د.فادي قدري أبوبكر:

 في مقابلة متلفزة أجرتها معه شبكة "آي24 نيوز" اليمينية قبيل أيام معدودة من الانتخابات الإسرائيلية، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحاً يحمل دلالات استراتيجية عميقة، حين توعّد بأن "مفاجأة كبيرة جداً تنتظر السلطة الفلسطينية". وتجنب نتنياهو الإجابة بشكل مباشر عما إذا كانت حكومته تعتزم تفكيك السلطة رسمياً، لكنه لمّح إلى تفضيله أسلوب المباغتة والعمل دون إعلان مسبق. ورغم أن هذا التصريح جاء في أعقاب عملية الخليل التي استهدفت جنود إسرائيليين، وتزامن مع دعوات صريحة من الوزير المتطرّف بن غفير للتفكيك الفوري للسلطة، إلا أن قراءة هذه التصريحات تقتضي العبور فوق السجالات الانتخابية التكتيكية لاستقراء جوهر العقيدة السياسية الإسرائيلية تجاه الوجود والكيانية الفلسطينية. لا شك أن البعد الانتخابي التكتيكي حاضر بقوة في توقيت هذه التصريحات، لا سيّما بعد الاستطلاعات التي أظهرت تراجعاً في رصيد حزب الليكود مقابل صعود للأحزاب العربية والمنافسين. حيث أن توظيف العمليات المسلحة وتأجيج الخطاب الأمني وسيلة يمين تقليدية لحشد القاعدة الانتخابية وتغليب عنصر الخوف. كما أن هذا الخطاب المتشدد يتقاطع حتى مع مواقف المنافسين في المعارضة، والذين يشتركون مع نتنياهو في الرفض القاطع لإقامة دولة فلسطينية. إلا أن الانتخابات ليست سوى عامل مُعزّز ومُسرّع للتصعيد وليست المسبب الوحيد له، مما يفرض قراءة تصريح "المفاجأة" ضمن سياق أوسع يتعلق بالمشروع الإسرائيلي الممتد للسيطرة الكاملة. إن التلميح بأسلوب "المباغتة" دون الإعلان الصريح يفتح الباب أمام استنتاج تحليلي رئيسي، وهو أن السياسة الإسرائيلية تجاه السلطة الفلسطينية تتبع الاستراتيجية ذاتها المتبعة منذ سنوات في ملف ضم أراضي الضفة الغربية. فكما تتجنب إسرائيل الإعلان المباشر عن الضم الرسمي لتفادي الصدام الدبلوماسي والعقوبات الدولية وتكتفي بالضم الفعلي عبر توسيع الاستيطان وتوفير البنى التحتية الالتفافية وتوسيع صلاحيات "الإدارة المدنية" حتى أصبحت تسيطر عملياً على أكثر من 41% من أراضي الضفة - وهو ما يتوازى مع تمدد مناطق السيطرة في قطاع غزة لتتجاوز 70% من مساحته - فإنها تطبق ذات المنطق الإجرائي على السلطة الفلسطينية. حيث تدرك إسرائيل أن الإعلان الرسمي عن حل السلطة سيرتب عليها تكاليف قانونية ومالية وإدارية وأمنية باهظة كقوة احتلال مباشر أمام المجتمع الدولي. قد تتشكل "المفاجأة الإسرائيلية" في هيئة تقويض صامت وتآكل هادئ لكيان السلطة الفلسطينية يُفرغها تدريجياً من مضمونها السياسي والسيادي دون إعلان رسمي، بحيث تتصاعد الإجراءات لتشمل زيادة الخنق المالي عبر قرصنة أموال المقاصة والاستباحة الميدانية بالاجتياحات اليومية إلى جانب العزل السياسي والدبلوماسي بتقييد حركة القيادات بين المدن وحرمان الوفود الرسمية من السفر والمشاركة في المحافل الدولية على غرار ما فعله ترامب في آخر دورتين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وتهدف هذه التضييقات إلى اختزال دور السلطة وتحويلها إلى مجرد "بلدية كبرى" تقتصر مهامها على إدارة الشؤون الخدمية والسكانية، بينما تبقى الأرض والسيادة الأمنية بالكامل بيد الاحتلال مما يكرس واقع الضم الفعلي ويقضي عملياً على فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وأمام هذه الهندسة السياسية التي تستهدف تصفية القضية عبر التآكل البطيء، تُمسي الصدمة الوحيدة الكفيلة بإحباط "المفاجأة الإسرائيلية" هي القطع الكامل مع حالة الانتظار والرهان العقيم على بيانات التنديد الدولية. حيث أن مواجهة استراتيجية الضم للأراضي الفلسطينية والتقويض الصامت للكيانية الفلسطينية تتطلب انعطافة تاريخية قوامها صياغة عقد نضالي جديد يبدأ بإعادة تنظيم البيت الفلسطيني وتجاوز الانقسام الكارثي لصالح بناء "سلطة صمود مجتمعي" تُسخّر طاقتها ومواردها لحماية وجود المواطن وثباته على أرضه كأولوية قصوى. ويتزامن هذا المسار مع تفعيل نضال جماهيري منظم ومستدام بالموازاة مع بناء شبكات تضامن مدنية عالمية عابرة للحدود ترفع كلفة الاحتلال سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً. كما يقتضي هذا الخيار خوض معركة قانونية ودولية بلا سقف مدعومة بشرط مالي وإقليمي يكسر سياسة الحصار والخنق المالي ليكون الرد الفلسطيني ليس مجرد إفشال لمخطط التقويض الإسرائيلي، بل تحويل السيطرة الميدانية ذاتها إلى عبء غير قابل للاستمرار.

كاتب وباحث فلسطيني [email protected]

البوابة 24