في مشهد غير معتاد لكنه ليس جديدًا في عالم الاستخبارات المفتوحة، كشف محققون أن زيادة مفاجئة في طلبات البيتزا من مطعم قريب من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) كانت مؤشرًا غير تقليدي على قرب حدوث عملية عسكرية كبيرة.
وهذه المرة، كان الحديث عن الضربة الإسرائيلية على إيران ليلة الخميس – وهي ضربة كان البيت الأبيض مطلعًا عليها مسبقًا.
وبحسب صحيفة التايمز البريطانية، لاحظت جهات مراقبة على الإنترنت أن مطعم "District Pizza Palace"، الذي يبعد قرابة ميلين فقط عن البنتاغون، شهد نشاطًا غير عادي قبل أقل من ساعة من بدء القصف الإسرائيلي، ولم تكن الزيادة في الطلبات صدفة، بل أعادت إلى الأذهان ما بات يعرف بين دوائر المراقبة بـ"نظرية البيتزا".
نظرية البيتزا
تعرف "نظرية البيتزا" في الأوساط البحثية كمؤشر بديل على حدوث نشاطات عسكرية وشيكة، إذ تعتمد على تتبع طلبات الطعام الليلي المتكررة في محيط مقار القيادة العسكرية وتحديدًا البنتاغون.
وتعود جذور هذه النظرية إلى عام 1991، عندما رصدت محلات البيتزا القريبة من البنتاغون ارتفاعًا كبيرًا في الطلبات قبل انطلاق عملية "عاصفة الصحراء" ضد العراق، وحينها استنتجت الشركات أن العمل العسكري الوشيك يدفع الموظفين في البنتاغون إلى العمل لساعات متأخرة وبالتالي طلب وجبات سريعة بكثافة.
وأحد أوائل من لاحظوا هذا النمط كان فرانك ميكس، مالك عشرات فروع دومينوز بيتزا في المنطقة، حيث صرح آنذاك: "وسائل الإعلام لا تعرف دائمًا متى سيحدث أمر كبير، لكنها نائمة، موظفونا في التوصيل الذين يعملون في الثانية صباحًا، يرون الصورة كاملة".
كيف ترصد التحركات؟
في زمن الذكاء الاصطناعي وخرائط جوجل، لم تعد المراقبة مقتصرة على عمال التوصيل، فقد بات بإمكان المحققين والهواة اليوم استخدام أدوات رقمية لتتبع حركة الزبائن وسائقي التوصيل في الوقت الحقيقي عند المنافذ القريبة من البنتاغون
ومن أبرز هذه الأدوات خرائط غوغل، التي تعرض رسومًا بيانية لحركة الزبائن بناءً على بيانات الموقع الجغرافي المجمعة والمجهولة المصدر، وأدوات تحليل البيانات المفتوحة التي تربط بين تزايد حركة المرور الليلية على مطاعم محددة ووجود عمليات استثنائية خلف الكواليس.
وتكررت هذه الإشارات في مرات سابقة، مثل أبريل 2023 وأكتوبر 2023، عندما ارتفعت طلبات البيتزا قبيل هجمات بالطائرات المسيرة نفذتها إيران ضد أهداف إسرائيلية.
تحقيقات "الأريكة"
وفي خضم هذا الجدل بين الذكاء المفتوح والمهنية الاستخباراتية، تقول زينوبيا هومان، الباحثة في مركز دراسات العلوم والأمن بكلية كينغز بلندن، إن هذه الطرق ليست عبثية، لكنها بحاجة لضوابط أكاديمية واضحة.
وتضيف: "أنا لا أعارض مفهوم الاستخبارات من على الأريكة، لكن لهذا السبب أنشأنا وحدة متخصصة في الماجستير لهذا المجال – يجب ممارسة هذا النوع من التحليل بحذر لتجنب نشر معلومات مضللة".
وبالفعل، أصبحت "التحقيقات المدنية الرقمية" جزءًا من أدوات تحليل المشهد الدولي، لكنها تتطلب تدريبًا وتدقيقًا في الأدلة والمعطيات، لأن الخطأ في قراءة مؤشرات بسيطة كطلبات الطعام قد يؤدي إلى نتائج وتحليلات خاطئة.
البنتاغون يرد
ورغم كل هذه التفسيرات، رفضت وزارة الدفاع الأميركية الربط بين سلوك موظفيها الغذائي وتحضيراتها العسكرية، وفي بيان مقتضب، أوضحت الوزارة: "نحن لا نتتبع كيف يختار موظفو البنتاغون الحصول على وجباتهم، هناك امتياز طعام مفتوح طوال الليل ومتاح للعاملين، ولا علاقة له بأي قرارات عسكرية".
لكن هذا النفي لم ينهي النقاش، فالتقاطع الزمني بين النشاط الغذائي وبدء الضربات العسكرية لا يزال يثير التساؤلات – ليس فقط عن دور "البيتزا" في فهم الحروب، بل عن مدى انكشاف التحركات العسكرية في العصر الرقمي.