بقلم: المحامي علي ابوحبله
في تطور مفاجئ، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب توصله إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وسط تصعيد عسكري غير مسبوق، وتهديدات متبادلة أوشكت من خلاله المنطقة على الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة. جاء هذا الإعلان في وقت حرج، حيث كانت الضربات المتبادلة قد طالت منشآت حيوية للطرفين الاسرائيلي والايراني، وشهدت الساحة الإقليمية حالة من الترقب والتوتر. لكن ما الذي دفع واشنطن ؟؟؟ـ وتحديدًا ترمب ـ إلى التدخل بهذه السرعة؟ وما الذي دار في كواليس الدبلوماسية السرية؟ وما هي انعكاسات هذا التطور على حكومة نتنياهو وعلى مستقبل الاستقرار في المنطقة؟ أولًا: ما وراء الكواليس – محادثات غير معلنة ووساطات متعددة 1. ضغوط داخلية على الإدارة الأمريكية على الرغم من الخطاب التصعيدي المعتاد لترمب، فإن مصادر داخل الإدارة الأمريكية أشارت إلى وجود انقسام عميق بين البنتاغون والبيت الأبيض بشأن مواصلة الحرب. مع توالي الضربات الإسرائيلية على منشآت نووية إيرانية، والرد الإيراني على قواعد أمريكية في الخليج والعراق، بدأت دوائر الأمن القومي تدق ناقوس الخطر من انجرار أمريكا إلى حرب استنزاف جديدة في الشرق الأوسط. كما شكّلت ردود الفعل في الداخل الأمريكي، خصوصًا في الكونغرس ووسائل الإعلام، ضغطًا على ترمب الذي يخوض عامًا انتخابيًا حساسًا لتجديد أعضاء الكونغرس والنواب الأمريكي ويحرص على عدم فتح جبهة حرب جديدة، خصوصًا مع تراجع شعبيته في ولايات أساسية. 2. قناة اتصال خلفية مع طهران تشير تقارير استخباراتية أوروبية إلى أن قناة خلفية فتحت خلال الأيام الأخيرة عبر وسطاء عمانيين وقطريين وأوروبيين (خصوصًا فرنسا)، نقلت رسائل مباشرة بين واشنطن وطهران. كان فحوى الرسالة الإيرانية: «الرد سيكون مستمرًا طالما استمرت الضربات على المنشآت النووية»، مع تحذير غير مباشر بأن المرحلة القادمة قد تشمل استهدافات أوسع لحلفاء واشنطن في الخليج. الولايات المتحدة، من جانبها، أوضحت أنها لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني، لكنها لا تستطيع ضبط إسرائيل ما لم تتوقف الهجمات الإيرانية على القوات الأمريكية. 3. ضغوط عربية وخليجية خشية انفجار واسع دفعت الإمارات والسعودية والأردن باتجاه تهدئة عاجلة، خشية أن تتوسع الحرب إلى أراضيها أو تؤدي إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. أبلغت هذه الدول واشنطن وإسرائيل بوضوح: «أي تصعيد إضافي ستكون له تداعيات إقليمية خطيرة، وسندفع جميعًا الثمن». ثانيًا: حسابات ترمب الخاصة – بين الناي بالنفس والظهور كـ"صانع سلام" على الرغم من أن ترمب تبنى في البداية موقفًا داعمًا للهجمات الإسرائيلية، فإن تصريحه بإعلان وقف إطلاق النار يحمل دلالات أعمق. فهو يسعى للظهور كزعيم قادر على "إطفاء الحرائق"، واستعادة موقع القيادة الأمريكية عالميًا بعد أعوام من الانكفاء. كما أن الانزلاق في حرب مفتوحة ضد إيران يتعارض تمامًا مع شعاره الانتخابي: "أمريكا أولاً، ولا حروب جديدة". وبالتالي، فإن إعلان وقف النار لا يعكس فقط رغبة في تهدئة الميدان، بل محاولة لترميم صورته الدولية واحتواء الغضب الشعبي الأمريكي من احتمال التورط في حرب جديدة ثالثًا: حكومة نتنياهو تحت الضغط – فشل استراتيجي أم مناورة مؤقتة؟ 1. خيبة أمل في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية كانت إسرائيل تأمل، عبر الضربات المكثفة على المنشآت النووية ومراكز القيادة الإيرانية، في دفع طهران للتراجع وإحداث شلل طويل في البرنامج النووي. غير أن التقديرات الأولية تشير إلى أن النتائج كانت محدودة، وأن القدرة الإيرانية على امتصاص الضربة والرد بفعالية كشفت هشاشة الرهان الإسرائيلي على حسم سريع. 2. نتنياهو في مأزق سياسي داخلي يروج نتنياهو للحرب على إيران كأداة لتعزيز صورته كزعيم "أمني حازم"، لكن وقف إطلاق النار ـ دون نتائج حاسمة ـ قد يُنظر إليه كفشل. المعارضة الإسرائيلية بدأت باستغلال ذلك، متهمة إياه بإقحام إسرائيل في حرب خطيرة ثم التراجع تحت ضغط أمريكي. كما أن الاحتجاجات المستمرة داخل إسرائيل بشأن الأوضاع في غزة والضفة الغربية تعزز من مأزقه، إذ لم تؤدّ الحرب على إيران إلى أي مكسب استراتيجي داخلي، بل زادت من الشعور بعدم الاستقرار. رابعًا: سيناريوهات المستقبل – هل يصمد وقف إطلاق النار؟ 1. عوامل تدفع نحو الصمود المؤقت: ضغوط أمريكية متواصلة على الطرفين. رغبة إيرانية في استيعاب الضربة وتفادي الانجرار لحرب شاملة. خشية إسرائيل من حرب استنزاف طويلة بدون غطاء أمريكي كامل. 2. عوامل تهدد بانهيار الاتفاق: أي عملية اغتيال إسرائيلية جديدة داخل إيران قد تشعل المواجهة مجددًا. عدم ثقة متبادلة بين الطرفين، إذ يرى كل طرف في الآخر خصمًا وجوديًا. ضغوط داخلية على حكومة نتنياهو تدفعه نحو التصعيد للخروج من أزمته. خلاصة الوضع: تهدئة مؤقتة في انتظار الانفجار؟ قد يشكل إعلان وقف إطلاق النار تهدئة موضعية تحت الضغط، وليس اتفاقًا استراتيجيًا دائمًا. فالملفات الكبرى لا تزال معلقة: المشروع النووي الإيراني، الوجود الإيراني في المنطقة والرد الإسرائيلي المستمر على هذه التهديدات. يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينجح ترمب في فرض معادلة ردع جديدة، أم أن وقف النار مجرد هدنة قبل جولة أكثر ضراوة؟ المؤشرات الحالية ترجح الاحتمال الثاني، ما لم يُتبَع الإعلان باتفاقات أوسع تُعالج جذور الأزمة وتنزع عامل تفجير المنطقة وتسعى إدارة ترمب لعودة مسار المفاوضات على صعيد القضية الفلسطينية والتوصل لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا ، وغير ذلك فإن المنطقة مقبله على الانفجار وهذا يتطلب سرعة التوصل لوقف إطلاق النار في غزه ووقف كافة الإجراءات الأحادية من جانب اسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ---