بقلم: محمد قاروط أبو رحمه
(الملخص: تدريب العقل على الوعي، لا على الطاعة).
تتميز تجربة التدريب العسكري الفلسطيني (وكذلك تجربة التدريب والتثقيف في حركة فتح) بتطورها لمواكبة تطور دور القوات العسكرية والأمنية الفلسطينية في مسيرة ومراحل تطور النضال الوطني للشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه التي قررتها هيئاته التشريعية والتنفيذية.
وهذا الكتاب الذي يحمل العنوان: التركيز، كيف تكون حاضرا في الحاضر؟ الأول من نوعه وباللغة العربية بعنوانه ومحتواه وفلسفته، وقد كتبته ردا على سؤال في ورشة عمل عقدت في معهد التدريب المركزي التابع لهيئة التدريب العسكري بعنوان (دور التدريب العسكري في تنمية التفكير الإبداعي).
ثم تطورت الورشة من 6 ساعات الى اعتمادها أحد دورات هيئة التدريب العسكري المعتمدة، بعنوان: دور هيئة التدريب العسكري في تنمية التفكير الإبداعي لدى منتسبي قوات الامن الفلسطيني والشعب الفلسطيني.
وقبل ان ابدا بكتابة هذا الكتاب كتبت عدة أسئلة منها:
كيف اكتب كتابا يقدم نموذجًا للمعرفة المطوّرة للتفكير القابلة للتطبيق؟
وكيف تظهر المعرفة المطوّرة للتفكير بوضوح من خلال بنائه المعرفي الذي لا يكتفي بتقديم معلومات حول التركيز والانتباه؟
وكيف نقدم التركيز كعملية ذهنية ديناميكية متداخلة مع الوعي، والادراك، والعاطفة، والجسد، ولتتحول الى عادات يومية في كل لحظة من حياة الفرد، وليس كمهارة ثابته.
وكيف يحفّز القارئ (الفرد والجماعة) على مراجعة سلوكياته الذهنية، وإعادة التفكير في أسلوب حياته.
لقد كنت مهتما بإظهار المعرفة المطوّرة للتفكير من خلال: تحليل عميق للعقل المشتت. حيث لم أكتف بشرح معنى التشتت، بل بتحليل أسبابه النفسية، والبيئية، والاجتماعية، والجسدية.
وبما ان التشتت يسبب الغياب في الحضور، (الخروج من اللحظة الراهنة)، فان الرابط بينهما فلسفي وليس سلوكي، بل يظهر في السلوك.
لقد بذلت جهدا لتفادي التلقين، وتحفيز القارئ على التفكير من خلال طرح أسئلة والاجابة عليها، وبما ان السؤال في الجواب فقد طرحت أسئلة مثل:
ما الذي يسرق انتباهك حقًا؟ هل تهرب من تركيزك لتتجنب شيئًا أعمق؟
وهذه الاسئلة تطور مهارة التفكير التحليلي المركّب، وفهم العلاقات السببية.
ونهدف من الربط بين التركيز والهوية الشخصية، اظهار أن التركيز ليس مجرد تمرين ذهني، بل انعكاس لهويتك ونمط حياتك. حيث ان التركيز يبدأ من: من تكون، لا مما تفعل. بذلك نطور مهارة التفكير التأملي والنقد الذاتي.
لقد قدمت مفاهيم مجردة بمواقف حياتية بسيطة وذلك من خلال ربطها بالحضور الذهني بمشاهد كتناول القهوة ببطء، او التنقل في الجبال او عمل ربة البيت. وهذه الأمثلة تظهر كيف تنقلك اللحظة الصغيرة إلى أداة للوعي الكامل؟ بذلك نطور مهارة التفكير الناتجة عن التفكير المفاهيمي والوعي الذاتي المتقدم.
لم اكتف بتصنيف أنواع التركيز، بل ربطتها بأثرها على الشعور والتفكير والجسد والإنتاج والسلام الداخلي. وهذا الربط يتم مع المقارنة بين أنواع التركيز ليحقق هدف تنمية مهارة التفكير التحليلي المقارن، وبناء الأحكام.
اما كيف يؤثر حضورنا في الحاضر على علاقاتنا، واستماعنا واستمتاعنا وتفاعلنا مع غيرنا في بيئتنا وحواراتنا فانه انتقال من التركيز الفردي الى التركيز والتفاعل الاجتماعي. وهذه مهارة التفكير المنظومي (الفرد جزء من جماعة في منظومه، وليس جزء في جماعة عشوائية).
وفي مجال التحليل السلوكي، لم ننه عن فعل مثل (لا تمسك الهاتف اثناء العمل لان أي صوت منه يشتت)، بل سألنا: لماذا تمسكه؟ ما الذي تحاول أن تهرب منه؟ ماذا تحتاج لتغييره في بيئتك؟ كان الهدف تفكيك العادات السلبية المتعلقة بالانتباه وليس القاء المواعظ. وهذه مهارة التفكير الناتجة عن التحليل السلوكي والتفكير السببي العميق.
لقد بذلت جهدا لتقديم معرفة مطورة للتفكير وليس معرفة تقريرية، لذلك عند تعريف التركيز ستجد انه الانتباه الكامل لشيء معين (انت تقرره) هو القدرة (انت تقررها حسب استطاعتك وحاجتك) على الحضور الواعي العميق المتكامل (انت تقرر درجة العمق وتكامله).
كيف نُعالج التشتت؟ ابني انت بيئة ذكية (مسؤوليتك)، وافهم دوافعك (التفكير التأملي)، وافهم أسباب التشتت (فلسفة ربط الأسباب بالنتيجة)، الداخلية والخارجية، وقرر انت ما الذي ستقوم به؟ مثل وقف الإشعارات، غلق الهاتف، اعمل في بيئة مناسبة.
وفهمنا ان التركيز يبدأ ب من أنا؟ (انه سؤال الهوية) وليس فقط ماذا أفعل (السلوك)؟ وهذا يظهر دور الهوية في التركيز.
وعلاقة التركيز بالعلاقات مطروحة على قاعدة احترام الاخرين والتفاعل معهم يبدأ من الاستماع لهم باهتمام.
الخلاصة: كتاب التركيز لا يعلّم القارئ كيف يُنظّم وقته فقط، بل:
يعلّمه كيف يفكّر في انتباهه، كيف يراقب ذهنه، وكيف يصنع حياة يقظة.
وهو كتاب صمم لتدريب الذهن على التفكير في ذاته، لا في أداء المهام فقط.
وبالتالي، يُعتبر مثالًا واضحًا للمعرفة المطوّرة للتفكير، لأنه:
يساهم في تدريب العقل على الوعي، لا على الطاعة.